كتاب جديد حول: العنف السياسي ضد النساء، الانتهاكات الجسمية لحقوق النساء بالمغرب خلال سنوات الرصاص
للدكتور الصديق كبوري
- عنوان المؤلف: العنف السياسي ضد النساء، الانتهاكات الجسمية لحقوق النساء بالمغرب خلال سنوات الرصاص
- اسم المؤلف: للدكتور الصديق كبوري
- عدد صفحات المؤلف: 280 صفحة.
- الطبعة: الأولى، سنة 2025.
- المطبعة: مطبعة كوثر برنت
صدر للدكتور الصديق كبوري الباحث في مجال العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان كتاب جديد اختار له عنوان العنف السياسي ضد النساء: الانتهاكات الجسيمة لحقوق النساء بالمغرب خلال سنوات الرصاص. وقد صدر هذا الكتاب ـ بعد الكتاب الأول المعنون بضمانات المحاكمة العادلة بالمغرب بين التشريع والقضاء ــ عن مطبعة كوثر برنت بالرباط سنة 2025. ومن المؤكد أن هذا الإصدار الجديد سيغني المكتبة المغربية في مجال اهتمامه خصوصا أمام شح وندرة الكتابات حول الموضوع. وتطرقه لموضوع من المواضيع الحساسة التي لها علاقة بالتاريخ الراهن، هذا ويقع الكتاب في 280 صفحة من الحجم المتوسط، وصمم غلافه السيدة أحلام حمداني، كما وضع له التقديم الدكتور محمد سعدي أستاذ مادة حقوق الإنسان والحريات العامة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الأول بوجدة.
نقرأ في تقديم الكتاب للأستاذ محمد سعدي “أن كتاب العنف السياسي ضد النساء: الانتهاكات الجسيمة لحقوق النساء بالمغرب خلال سنوات الرصاص هو ثمرة مجهود بحثي كبير دام أكثر من أربع سنوات، وسيشكل بلا شك قيمة مضافة نوعية للمكتبة المغربية على مستوى الدراسات الحقوقية التي تهتم بمقاربة النوع في علاقتها بالعدالة الانتقالية وبالتنقيب في بعض التفاصيل المنسية أو المسكوت عنها لفترة سنوات الرصاص بالمغرب، كما أنه يبني لبنة هامة في مسار بناء وحفظ الذاكرة الجماعية للمغاربة بشكل منصف وعادل وتعزيز الاعتراف بتضحيات النساء الضحايا ورد الاعتبار لهن”.
تناول الباحث في مقدمة الكتاب بالدرس والتحليل فترة عصيبة من تاريخ المغرب، والتي أصبح يصطلح عليها بسنوات الرصاص، وهي فترة تمتد ما بين 1956 وبداية التسعينيات من القرن الماضي، وخلال هذه المرحلة المومأ إليها ارتكبت بعض أجهزة الدولة، وبشكل ممنهج ومتواتر، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد المخالفين في الرأي؛ حيث مورس العنف بشكل نشيط ومبالغ فيه لسحق المعارضين السياسيين ومحيطهم من مختلف الانتماءات والتوجهات الإيديولوجية والمشارب الفكرية والمناطق الجغرافية والفئات الجنسية والعمرية والاجتماعية. وقد تجسد ذلك في حدوث الاختطافات والاعتقالات التعسفية، والاغتيالات السياسية، ونشوب العديد من القلاقل والانتفاضات الاجتماعية، والحركات السياسية المسلحة.
علاوة على ذلك، بين الباحث في متن هذا العمل الرصين والمتميز، أن نصيب النساء من العنف السياسي وافر جدا خاصة في المناطق التي عرفت صراعات مسلحة مثل خنيفرة وإملشيل وفجيج ومنطقة الريف وأزيلال ومولاي بوعزة والصحراء المغربية وغيرها، فقد تعرضن للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب والعنف الجنسي. ونجم عن هذا العنف عدة آثار مادية وجسدية ونفسية، ناهيك عن تعرضهن للوصم الاجتماعي والنبذ والتهميش والإقصاء وسوء المعاملة، رغم أنه لم تكن لهن أية صلة بالسياسة وتفاصيلها، وذنبهن الوحيد هو وجود علاقات قرابة تربطهن بمعارضين (المعارضة بنوعيها السياسية والمسلحة) لسياسات الدولة، أي فقط لأن القدر اختارهن ليكن بنات أو أخوات أو أمهات أو زوجات لخصوم سياسيين للدولة وفي بعض الأحيان جعلهن سوء حظهن يتواجدن في زمان ومكان غير مناسبين.
إن الأدهى والأمر، أن العديد من النساء عانين كثيرا خلال سنوات الرصاص من العنف السياسي الذي مارسته الدولة، فبعضهن أصبن بعاهات مستديمة لازمتهن مدى الحياة، ومنهن من ترملن وهن في ريعان الشباب، ومنهن من حرمن من فرص الزواج لأنهن اعتقلن وهن شابات ولم يتم الافراج عنهن حتى تقدمن في السن وحرمن من الزواج ومن الأمومة، ومنهن من حرمن من متابعة الدراسة واعترضتهن عدة صعوبات للحصول على شغل، وضمان دخل قار يحقق استقلالهن المادي ويصون كرامتهن، ومنهن من حرمن من أبسط الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تضمنها لهن القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، ومنهن من فرض عليهن النفي خارج المغرب، والابتعاد بشكل قسري عن الوطن لعدة سنوات.
ناهيك عن ذلك، فإن الباحث رصد العديد من التحولات السياسية التي سيعرفها المغرب في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وهي تحولات تختلف جذريا عن السلوكيات التي دأبت الدولة على نهجها في تعاملها مع المعارضة السياسية زهاء أربعة عقود من الزمن، وقد توجت هذه التحولات بتنصيب حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 برئاسة المعارض السابق السيد عبدالرحمن اليوسفي، وقد جاء التنصيب بعد سلسلة من المبادرات والمؤشرات والتي تتمثل في إطلاق سراح عدد مهم من المعتقلين السياسيين ينتمون لمشارب سياسية مختلفة، والشروع في تسوية الملفات العالقة في مجال حقوق الإنسان. وكان من نتائج هذه التحولات أنها ساعدت على انتقال الملك بشكل سلس سنة 1999 من الملك الراحل الحسن الثاني إلى ولي العرش محمد السادس.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث أن الدولة بذلت في المرحلة المشار إليها جهودا مهمة لطي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي لطخت لعقود صورة البلد، وعبّرت عن الإرادة السياسية لإحداث التغيير المنشود، وتجاوز تركة الماضي، وهو ما تفاعل معه جزء من المجتمع بشكل إيجابي نظرا لحاجة المغرب للمصالحة السياسية والتاريخية، فحصل التوافق بشأن العدالة الانتقالية وتدبير انتقال الحكم بين المؤسسة الملكية وجزء من المعارضة، حيث كان المدخل للعدالة الانتقالية المغربية سياسيا، ووقع تحول نوعي في العلاقة بين الدولة وهذا الجزء من المعارضة والتي عرفت ميلا نحو المهادنة والتهدئة، وانتقلت من حالة الصدام والتنافر إلى حالة التوافق والتراضي. وسيتوج هذا المسار بتأسيس الهيئة المستقلة للتحكيم سنة 1999 وهيئة الانصاف والمصالحة واللتان ستضطلعان بتصفية تركة الماضي الأليم، والسعي لإنصاف ضحايا سنوات الرصاص.
وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب تضمن ثمانية فصول تناول فيها الباحث العنف السياسي الذي مورس ضد النساء خلال سنوات الرصاص، وميز بين أنواعه ونتائجه وآثاره بالنسبة للضحايا والمجتمع على السواء. ثم عرج على الحديث عن صمود النساء ومقاومتهن للتصدي للانتهاكات الجسيمة ومواجهة العنف السياسي، والتعريف بأدوارهن الرائدة في رفد الحركتين النسائية والحقوقية بالأطر المتمرسة على مستوى الفكر والممارسة، كما تناول إسهام الضحايا في حفظ ذاكرة سنوات الرصاص من النسيان عبر الشهادات والمرويات والكتابات والسير الذاتية. ناهيك عن ذلك، فقد تناول تعدد القراءات حول الانتهاكات الجسيمة التي مست النساء، على اعتبار أن الموضوع استقطب اهتمام بعض جمعيات المجتمع المدني ومنها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي قامت بمواكبة نقدية لعمل هيئة الإنصاف والمصالحة، وتنظيم جلسات استماع عمومية خصصت إحداها للنساء، يضاف إلى ذلك أن هيئة الإنصاف والمصالحة تعاطت مع الانتهاكات التي مستهن، وحاولت قدر الإمكان الاستجابة لمطالبهن، ومراعاة احتياجاتهن، واعتماد مقاربة النوع بشكل يختلف عن تجربة هيئة التحكيم المستقلة رغم النقائص التي تسجل في هذا الإطار.
وفي الأخير، استعرض الباحث مجموعة من النواقص التي شابت تجربة العدالة الانتقالية المغربية في علاقتها بمقاربة النوع، مبرزا أن هيئة الانصاف والمصالحة رغم هذه النواقص ساهمت في إطلاق النقاش العمومي حول ماضي الانتهاكات الجسيمة، واستطاعت عبر جلسات الاستماع العمومية إيصال أصوات النساء الضحايا، كما قدم مجموعة من المقترحات من أجل استشراف المستقبل، والتطلع نحو غدٍ أفضل، والنظر إلى أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق النساء أصبحت جزءا من ماضينا الجماعي، الذي يجب القطع مع صفحاته السوداء، لبعث الأمل في الأجيال المقبلة عبر بناء ثقافة حقوق الإنسان ، وإرساء ركائز دولة الحق والقانون التي ينعم فيها المواطنات والمواطنون بكافة الحقوق والحريات، ويتقاسمون في ظلها الخيرات بشكل عادل، وإرساء ثقافة الاعتراف بين مختلف الفاعلين، واعتماد الحوار البناء كسبيل لتدبير الاختلاف، ونبذ العنف وكل الممارسات التي من الممكن أن تخلق الشنآن والتنافر والضغينة داخل المجتمع.