تقرير قراءة في كتاب: العنف السياسي ضد النساء
: الانتهاكات الجسيمة لحقوق النساء بالمغرب خلال سنوات الرصاص
تقرير الندوة الموسومة بـ:
“العنف السياسي ضد النساء: الانتهاكات الجسيمة لحقوق النساء بالمغرب خلال سنوات الرصاص”
في سياق تخليد الذكرى التاسعة لتأسيس المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية، وضمن فعاليات الدورة الثالثة لبرنامج “كتابي 2026”، نُظمت يوم الاثنين 23 فبراير 2026 ندوة علمية عن بُعد خُصصت لتقديم ومناقشة كتاب الدكتور الصديق كبوري الموسوم بـ«العنف السياسي ضد النساء: الانتهاكات الجسيمة لحقوق النساء بالمغرب خلال سنوات الرصاص»، وذلك بشراكة مع المجلة المغربية للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان. وقد تولّت تسيير الجلسة الدكتورة كريمة الصديقي، العضوة المؤسسة للمركز، في لقاء علمي استهدف الباحثين والطلبة والمهتمين بقضايا العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان.

اندرجت الندوة ضمن مسار بحثي يروم تعميق النقاش الأكاديمي حول تقاطعات العنف السياسي بالعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال فترة “سنوات الرصاص”، من خلال مساءلة موقع النساء في سردية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومدى استيعاب آليات العدالة الانتقالية المغربية لخصوصية التجارب النسائية. وقد انطلقت المداخلات من فرضية مفادها أن النساء لم يكنّ فقط ضحايا عرضيات للعنف السياسي، بل تعرضن لانتهاكات مركبة اتخذت طابعاً سياسياً وجنسانياً في آن واحد، مما ضاعف من آثارها النفسية والاجتماعية وأثر في مسارات حياتهن الفردية والأسرية.
أبرز المتدخلون في الندوة أن أشكال العنف التي طالت النساء شملت الاعتقال التعسفي، والتعذيب الجسدي والنفسي، والاعتداءات ذات الطبيعة الجنسية، فضلاً عن ممارسات الإذلال المرتبطة بالتصورات المجتمعية المحافظة حول جسد المرأة وسمعتها. وتم التأكيد على أن هذا العنف لم يكن معزولا عن السياق البنيوي الذي كرّس هيمنة ذكورية داخل مؤسسات الضبط والمساءلة، وهو ما جعل معاناة النساء مضاعفة، سواء أثناء الاحتجاز أو بعد الإفراج، حيث واجهن الوصم الاجتماعي وصعوبة الاندماج من جديد في محيطهن.
وتوقف النقاش عند إشكالية التوثيق وإنتاج الذاكرة، إذ تبين أن ثقافة الصمت والخوف والعار الاجتماعي حالت دون بروز عدد كبير من الشهادات النسائية إلى العلن، مما انعكس على محدودية تمثيل تجارب النساء في الأرشيف الرسمي والسردية الوطنية. وفي هذا السياق، تم التشديد على أهمية الكتابة النسائية، الفردية والجماعية، باعتبارها أداة لاستعادة الصوت وإعادة بناء الذاكرة من منظور تعددي، يسهم في تصحيح الاختلالات المعرفية المرتبطة بمرحلة الانتهاكات.
كما خضعت تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب لتقييم نقدي، لاسيما عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، من زاوية إدماج مقاربة النوع الاجتماعي. وأجمع المتدخلون على أن الهيئة شكلت خطوة متقدمة في مسار كشف الحقيقة وجبر الضرر، غير أن إدماج البعد الجنسانـي ظل محدوداً نسبياً، سواء من حيث التمثيلية داخل بنيتها، أو من حيث ملاءمة آليات التعويض لخصوصية الأضرار التي لحقت بالنساء، خاصة تلك المرتبطة بالعنف الجنسي وما يترتب عنه من آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى. كما أثيرت مسألة ضعف المساءلة الجنائية وغياب مقاربة واضحة لمعالجة الانتهاكات ذات الطابع الجنسي وفق المعايير الدولية.
وخلصت الندوة إلى أن تحقيق عدالة انتقالية منصفة يقتضي اعتماد مقاربة شمولية تعترف بالطابع المركب للعنف الممارس ضد النساء، وتربط بين مسارات الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسساتي وضمانات عدم التكرار. كما تم التأكيد على ضرورة إدماج دراسة تجربة العدالة الانتقالية المغربية، خصوصاً في بعدها المتعلق بالنوع الاجتماعي، ضمن المناهج الجامعية وبرامج البحث العلمي، بما يعزز إنتاج معرفة رصينة ومتجددة حول هذه المرحلة المفصلية من التاريخ المعاصر للمغرب. وقد شكلت الندوة في مجملها فضاءً علمياً لإعادة التفكير في موقع النساء داخل الذاكرة الوطنية، والتأكيد على أن إنصافهن ليس فقط مطلباً حقوقياً، بل شرطاً أساسياً لبناء سردية تاريخية عادلة ومصالحة مستدامة قائمة على الكرامة والمساواة.
قديري المكي الخلافة
عضو المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية
