تقرير قراءة في كتاب الموسوم بـ: “مسارات الانتقال: رؤى في العدالة والمصالحة – “

تقرير الندوة الموسومة بـ:

“مسارات الانتقال: رؤى في العدالة والمصالحة –

​         في إطار أنشطته الفكرية وبمناسبة الذكرى التاسعة لتأسيسه، نظم المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية ندوة علمية لمناقشة آفاق العدالة الانتقالية في سوريا. ركزت الندوة على عرض وتحليل الرؤى التي قدمها الدكتور فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، مستعرضاً الأسس النظرية والتحديات العملية التي تواجه تصميم وتنفيذ مسار عدالة انتقالية ناجع في بيئة معقدة كالسياق السوري.

المحور الأول: الإطار المفاهيمي والهيكلة النظرية

​         تناولت الندوة العدالة الانتقالية بوصفها نموذجاً متعدد الأبعاد يتجاوز مجرد العقاب الجنائي إلى كونه مساراً للتعافي السياسي والاجتماعي. وقد تم التأكيد على أن أي تصميم لهذا المسار يجب أن يرتكز على ركائز تكاملية لا تقبل التجزئة، وهي:

  • المساءلة والملاحقة القضائية: لضمان إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.
  • لجان كشف الحقيقة: لاستعادة الذاكرة الجماعية وإنصاف الضحايا معرفيا.
  • جبر الضرر والتعويضات: لمعالجة الآثار المادية والنفسية المترتبة على الانتهاكات.
  • الإصلاح المؤسسي: وهو الضمانة الأساسية لعدم تكرار الانتهاكات عبر إعادة هيكلة القضاء والأجهزة الأمنية.

​المحور الثاني: نقد المسار الإجرائي والواقع العملي                                                                                                               

​         سلطت الندوة الضوء على الفجوة بين التنظير والتحركات الإجرائية الحالية، حيث طُرحت عدة نقاط نقدية:

أزمة المؤسساتية: انتقد الكاتب صدور قرارات تشكيل هيئات العدالة عبر مراسيم تنفيذية، مؤكد أن الاستقلالية الحقيقية تقتضي مأسسة هذه الهيئات عبر نصوص دستورية وقوانين برلمانية تضمن “الملكية الوطنية” والحياد عن السلطة التنفيذية.

ضعف التنسيق المؤسساتي: تمت الإشارة إلى خطورة فصل الملفات المترابطة (مثل فصل هيئة المفقودين عن المسار العام للعدالة الانتقالية)، مما يؤدي إلى تشتيت الموارد وضعف التنسيق المعلوماتي والسياسي.

الملائمة التشريعية: شددت المناقشات على ضرورة إصلاح المنظومة القانونية السورية التي تفتقر لتوصيفات دقيقة للجرائم الدولية، مع طرح خيار المحاكم المختلطة كحل لتعويض نقص استقلال القضاء المحلي.

المحور الثالث: الاستفادة من التجارب المقارنة (المغرب نموذجا)

​         استعرضت الندوة تجربة “هيئة الإنصاف والمصالحة” المغربية، مبرزة نجاحاتها في ملف التعويضات وجبر الضرر. ومع ذلك، خلص النقاش إلى أن الحالة السورية، نظرا لضخامة أعداد الضحايا (الذي تجاوز 3% من السكان بين قتيل ومختفٍ)، تتطلب نموذجا أكثر شمولية يربط التعويض بالمساءلة الجنائية الجذرية والإصلاح التشريعي العميق، بما يتناسب مع حجم النزاع المسلح.

​الاستنتاجات والتوصيات الختامية

​         خلصت الندوة إلى مجموعة من الاستنتاجات الجوهرية التي تشكل خارطة طريق للمستقبل:

​أولا: التكاملية لا التراتبية: لا يمكن البدء بآلية دون أخرى؛ فالإصلاح المؤسسي يجب أن يسير بالتوازي مع كشف الحقيقة وجبر الضرر لضمان استقرار دائم.

​ثانيا: الملكية الوطنية والمشاركة المجتمعية: إن نجاح العدالة الانتقالية رهين بتحويلها من “إجراءات فوقية” إلى حوار وطني يشارك فيه الضحايا ومنظمات المجتمع المدني بشكل فاعل.

​ثالثا: ضرورة استقلال القضاء: يعتبر إصلاح المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية شرطاً مسبقاً لإضفاء المصداقية على أي محاكمات أو قرارات صادرة عن هيئات العدالة.

​رابعا: أهمية التوثيق القائم على الأدلة: تمت الإشادة بدور المنظمات الحقوقية في توثيق الانتهاكات كقاعدة بيانات لا غنى عنها لعمل لجان الحقيقة والمحاكم في المستقبل.

​خامسا: تطوير “قانون ما بعد الحرب”: الحاجة إلى أطر قانونية تنظم قضايا الملكية وإعادة الإعمار واللاجئين ضمن رؤية حقوقية شاملة.

قديري المكي الخلافة

عضو المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية