ملخص كتاب: العدالة الانتقالية في النظم الدستورية الحديثة
د. فالح مكطوف كاصد
مقدمة كتاب العدالة الانتقالية في النظم الدستورية الحديثة
د. فالح مكطوف كاصد
مدرس دكتور كلية الاعلام جامعة اوروك- العراق
العدالة الانتقالية هي آلية من الآليات التي تطرح على صعيد التطبيق في الدول التي تشهد التغيير على الصعيد السياسي والمتأتي عن إحدى طريقتين، وهما أما التبدل في سياسة الدولة اختياريا أي التغيير الإرادي من داخل السلطة الحاكمة بما يشهده من تغيير الدستور والتشريعات ذات الصلة بالعدالة الانتقالية، أو نتيجة الإطاحة بنظام الحكم فيها بطريقة ما والإتيان بحكم جديد مقطوع الصلة مع النظام الذي سبقه، وهي أيضا تعتبر من المفاهيم التراكمية التي لم تنبثق نظرياً ولم ينسب ظهورها لمُنظر أو باحث أو كاتب ما، وكذلك لم تطبق عملياً كسلة واحدة في معظم التجارب، فهي بطبيعتها لم تكن وصفة جاهزة للتطبيق، وإنما جاءت مستلّة من تجارب العديد من الدول على صعيد العالم الطامح الى الحرية الحقيقية والديمقراطية، وقد اكتسب موضوع العدالة الانتقالية أهمية كبيرة بالنسبة لهذه الدول وكذلك بالنسبة للمواطنين لأن محتواه وغايته المنشودة المستمدة من الأنظمة الدستورية الحديثة، لا يعني إلا المزيد من الاستقرار والمزيد من الحريات وحقوق الإنسان، إذا فالعدالة الانتقالية وفقا لهذا المنظور تعتبر إعادة تكييف سياسة الأنظمة وأساليب الحكم في الدول المعنية بمرحلة التغيير، بما ينسجم مع الحقوق والحريات الواجب إقرارها دستوريا وتشريعيا، بحيث تتوائم مع الغاية المبتغاة والنظرة المستقبلية لمجتمع متوازن تسوده مبادئ العدالة، ولا يأتي ذلك بطبيعة الحال إلا معززاً بحزمة من الإجراءات والإصلاحات المهمة والضرورية وعلى مختلف الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
وتعتبر العدالة الانتقالية مرحلة تطبيقية لاستراتيجيات معلومة يراد ممارستها بشكل إجرائي على نطاق الدولة والنظام السياسي وهي تتضمن العديد من الخطوات العملية كتعويض الضحايا والاعتراف بحقوقهم، وتشجيع المصالحة الوطنية، وتشكيل لجان الحقيقة، ومحاكمة المتسببين بالانتهاكات وكذلك الإصلاح المؤسسي للمنظومات الأمنية والقانونية ويسبق كل ذلك إصدار دستور تتويجا للمرحلة الجديدة.
لذا فالعدالة الانتقالية من المواضيع التي أزادت أهميتها في العقود الأخيرة إذ حتمتها الظروف والمعطيات التي مرت بها المجتمعات والدول ولاسيما تلك التي كانت خاضعة لأنظمة دكتاتورية أو شمولية، على أن الدول التي طبقت العدالة الانتقالية تتباين في أولويات تطبيق أهدافها وإستراتيجياتها وبحسب الظروف الذاتية لكل لدولة، ولكن غالبا ما تحرص معظم الدول على تبني الغاية النهائية للعدالة الانتقالية وهي الديمقراطية التي تتخذ كإعلان للبدء بمرحلة جديدة، مع الحرص على التقيد بما تحتويه من مبادئ وتوجيهات، كإقرار حقوق الأنسان، واطلاق الحريات العامة، كذلك إجراء الانتخابات والتداول السلمي للسلطة وتعزيز دور القانون والدولة المدنية بما يعزز من إمكانية انتهاج الديمقراطية كمنهج وشكل للحكم مستقبلا.
إن العدالة الانتقالية كموضوع وكإجراءات عملية، تعتبر حديثة النشأة نسبياً، إذ يؤرخ لبداية انبثاقها من الناحية الإجرائية، في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية أي مع محاكمات نورمبرغ للقادة النازيين الألمان، واستمرت الى يومنا هذا من خلال تجارب متعاقبة تتبنى في معظمها سياسات جديدة مبنية على معالجة الانتهاكات التي حصلت في مرحلة سابقة، فلا يمكن لعدالة انتقالية أن تقوم من دون إدانة صريحة أو ضمنية متناسبة مع ما فعلته الأنظمة السابقة من انتهاكات جسيمة ومتكررة لحقوق الإنسان في صورها المتعددة، وهذا غالبا ما يكون مصحوبا بمحاسبة المتسبب بها، وهو ما أصطلح عليه بمبدأ عدم الإفلات من العقاب، والذي غالبا ما يحتم تطبيق العدالة على وفق محاكمات لرموز الأنظمة السابقة الذين تسببوا بتلك الانتهاكات.
لقد اشتقت إستراتيجيات العدالة الانتقالية من خلال ملاحظة تكرار تطبيقها ضمن تجارب تلك الدول، وهي بمجموعها تغطي مرحلة التحول من نظام الى آخر، كما أن لها كذلك مبررات تستدعي تطبيقها، كالعمل على منع إعادة الأنظمة والتجارب الدكتاتورية وقوانينها ومنظوماتها العقابية، ومعالجة إرث الماضي والإصرار على الدفاع عن الدولة المدنية ودولة القانون إضافة الى ترسيخ إقرار حقوق الإنسان وجعلها بديهية وأولوية.
وللعدالة الانتقالية أهمية كبيرة ومتميزة حيث يأتي ثقل تلك الأهمية بسبب ورود بعض مبادئها في العديد من دساتير الدول وبدلالات مختلفة كتبني مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وكتعويض الضحايا من شهداء وجرحى الثورات أو تأسيس العديد من هيئات ولجان للحقيقة. كما وتتعدد الطرق لتحقيق تلك العدالة، فهي تتضمن العدالة الجنائية، وعدالة جبر الضرر، والعدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية. وقد عالجت العديد من الأنظمة السياسية من خلال الدساتير أو التشريعات أو بإجراءات تنفيذية موضوع العدالة الانتقالية.
سيتناول الكتاب الإشكالية المتمثلة في مدى التطبيق العملي للعدالة الانتقالية، والوقوف على شتى الآليات التنفيذية لها سواء بتشريعات منفردة أصدرتها السلطة التشريعية أو إجراءات عملية اتخذتها السلطة التنفيذية في بعض الدول التي شهدت التغيير في أنظمتها السياسية نطرح الإشكالية الآتية: ما مدى تطبيق العدالة الانتقالية في تلك الدول؟ والى أي مدى تكون تلك الخطوات التي اتخذتها قد اقتربت من واقع العدالة الانتقالية؟ وماهي مزايا التجربة المصرية في العدالة الانتقالية؟ وهل طبق العراق إستراتيجيات وأهداف العدالة الانتقالية على النحو التي هي عليه؟
اعتمد في كتابة هذا الكتاب على المنهجين المقارن والتحليلي فالمنهج المقارن كان يسلط الضوء على أوجه الشبه والاختلاف بين التجارب التي تناولها الكتاب والمقارنة بينها، أما المنهج التحليلي فكان يتخذ من خلال إلقاء الضوء بالبحث والتحليل لآليات العدالة الانتقالية وتطبيقاتها العملية.
سوف يتم تناول الكتاب ضمن أربعة فصول: الفصل الأول سيتمحور حول الإطار المفاهيمي والنظري للعدالة الانتقالية، في حين سوف يتناول الفصل الثاني تطبيقات العدالة الانتقالية في النظم الدستورية الحديثة المقارنة، أما الفصل الثالث فانه سوف يتناول العدالة الانتقالية في التجربة المصرية، ويتناول الفصل الرابع تجربة العدالة الانتقالية مع التطبيق على العراق.
