مقال: تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان 2024 تأخير في الإصدار وإصدار بدون مصادقة الجمعية العامة.

د. المصطفى بوجعبوط

تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان 2024: تأخير في الإصدار وإصدار بدون مصادقة الجمعية العامة.

الدكتور بوجعبوط المصطفى مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية

يشكل التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بنية مرجعية وتوثيقية لحالة حقوق الإنسان بالمغرب خلال سنة، فهي فرصة في نفس الوقت في معرفة مسار حقوق الإنسان ومدى تنزيل الالتزامات الوطنية والدولية في مجال حماية الحقوق والحريات العامة،  ويعد التقرير لحظة ومحطة أساسية للوقوف على مدى تقييم السياسات الحقوقية المتبعة في بلادنا ومدى تنفيذها والالتزام بها في مختلف قطاعات الدولة، فالمجلس من خلال التقرير  قد يثير انتباه الدولة في شأن تجاوزات لعدم احترام حقوق الانسان في مسار تدبير مرافق الدولة وكما يمكن للمجلس من خلال تقريره كذلك أن يصدر توصيات تتعلق بحقوق الإنسان إلى الحكومة لأجل اتباع خطوات مستقبلية في التغيير وإصلاح منظومة قانونية ومؤسساتية وفق معايير دولية وإقليمية….

وعليه، فإن تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان يخضع لمسطرة من حيث الاعداد والبنية والشكل والمضمون إلى جانب المرجعية من حيث الإصدار وذلك وفقا قانون رقم 76.15 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني  لحقوق الإنسان. غير أنه يطرح تساؤل ما مدى شرعية نشر التقرير السنوي لسنة 2024 دون المصادقة عليه من لدن الجمعية العامة ؟ هل نحن أمام استثناء قانوني أم اجتهاد خارج عن النص الملزم لجميع الأطراف؟. أم حالة استثنائية لانعدام تشكيل بعد هياكل المجلس؟ أم ترجيح الاعتبارات التي يمكن أن تكون مدخل لسلطة رئاسة المجلس إن لم يتم التصويت على أي تقرير في المستقبل؟ أي تأسيس لسابقة عرفية.

وبالرغم من الإيجابيات القوية التي أثارها التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان لسنة 2024 الصادر في 04 مارس 2026 على الموقع الالكتروني للمجلس إلا أنه تم عدة ملاحظات من حيث الشكل ومن حيث المضمون الذي سنركز من خلاله على الجزء الذي يتعلق بالعدالة الانتقالية. علما أن التقرير يحتوي على 111 صفحة و تسعة محاور متضمنة توصيات عامة وهي على النحو التالي:

  • مقدمة عامة (15 صفحة) 8%.
  • المحور الأول: وضعية حقوق الانسان الموضوعاتية والفئوية ( 76 صفحة)؛ من الفقرة 1- 371. 39%.
  • المحور الثاني: تقرير عن أنشطة الآليات الوطنية للوقاية من التعذيب لسنة 2024 ( 37 صفحة) من الفقرة 372-562، 19%.
  • المحور الثالث: التقرير السنوي للآلية السنوية الوطنية للتظلم الخاصة بالأطفال ضحايا انتهاكات حقوق الطفل لسنة 2024. ( 09 صفحة) من الفقرة 563-621، 5%.
  • المحور الرابع: التقرير السنوي للآلية الوطنية الخاصة بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة (10 صفحات) من الفقرة 622-677، 5%.
  • المحور الخامس: ملائمة التشريعات وتعزيز القدرات والاعلام في مجال حقوق الإنسان (8 صفحات) 678-721، 4%.
  • المحور السادس: علاقات التعاون على مستوى الوطني (05 صفحات) من الفقرة 722-748 2%.
  • المحور السابع: علاقات التعاون على المستوى الدولي ( 21 صفحة) من الفقرة 749-870، 11%.
  • المحور الثامن: متابعة تفعيل توصيات هيئة الانصاف والمصالحة 06 صفحات (من الفقرة 871-906)، 3%.
  • المحور التاسع: أنشطة أجهزة المجلس ولجانه الجهوية والمستجدات الإدارية والنظام المعلوماتي (5 صفحات) 907-937، 3%.
  • توصيات عامة 36( توصية)، 1%.

على ضوء هذا يمكن الوقوف على سبعة (7) ملاحظات أساسية:

الملاحظة الأولى: أن المجلس لم يتم تعيين أعضائه بعد (تجديد هياكل المجلس) وفقا للقانون المنظم لذلك، يعني الولاية القانونية لأعضاء الجمعية العامة المحددة في خمسة سنوات، قد انتهت قبل مدة، مما يغيب عنه المصادقة على التقرير لإعطائه الشرعية باعتبار التقرير وثيقة استراتيجية. وبالتالي، فإن التقرير الذي تم إصداره لم يتم التصويت عليه من لدن الجمعية العامة وفقا للمادة 50 التي تقر: وتمكن الرئيس من عدة صلاحيات يمارسها منها” يشرف على إعداد تقارير المجلس ويعرضها على الجمعية العامة قصد المصادقة عليها“. وعليه، فإن التقرير المنشور لم يتم المصادقة عليه من لدن الجمعية العامة. وتنص كذلك المادة 48 على اختصاصات الجمعية العامة منها “المصادقة على مشاريع التقارير السنوية لأنشطة المجلس والتقارير الموضوعاتية المنصوص عليها في المادة 35 من هذا القانون“.

الملاحظة الثانية: أي تقرير له مرجعية قانونية يستند عليها لأجل الإصدار، سواء تعلق الأمر بتقرير سنوي عن “حالة حقوق الإنسان” أو “تقارير خاصة” أو تقارير موضوعاتية“، كما تنص الفقرة الأولى من المادة 35. كما أن هذه التقارير الثلاث (3) توجه نسخة منها إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان ويتم نشرها للعموم وفقا للفقرة الثانية (2) من المادة 35. أما أعمال المجلس وفقا للفقرة الثالثة (3) من المادة 35 تقدم في تقرير سنوي ويخضع للمناقشة من قبل البرلمان، طبقا للفصل 160 من الدستور. (تنشر جميع التقارير في الجريدة الرسمية).

وعليه، فإن التقرير السنوي تضمن مجموعة من الأنشطة الخاصة بالمجلس من خلال الندوات واللقاءات العلمية والدورات التدريبية والمشاركات،…. فالمادة 35 ميزت هذه التقارير ، هل نحن أمام تقرير الفقرة 1 أم الفقرة 3.

الملاحظة الثالثة: ترتكز على المحور الثامن: “متابعة تفعيل توصيات هيئة الانصاف والمصالحة” الذي يحتوي 06 صفحات (من الفقرة 871-906)، والذي يمثل 3 في المائة من التقرير، استعرض فيها المجلس من الفقرة 871 إلى 875 ذكرى تخليد 20 سنة من إحداث هيأة الانصاف والمصالحة تحت شعار “ذكرى محطة ومسار” امتدت خلال سنة 2024 وما ترتب عن ذلك من لقاءات فكرية وأنشطة موازية لهذا الحدث ومنه تنظيم المجلس الندوة الدولية حول العدالة الانتقالية بمجلسي البرلمان.

الملاحظة الرابعة: التي تتعلق بتفعيل توصيات هيأة الانصاف والمصالحة التي يقر من خلالها المجلس بتفعيلها من الفقرة 877 إلى 904، وهي تتعلق بمواصلة استكمال التحريات لتحديد هويات الرفات وتهيئ فضاءات حفظ الذاكرة وبرامج جبر الأضرار الفردية.

بالنسبة لتحديد هويات الرفات، فالمجلس فقط يقر في التقرير أنه تم إطلاق عملية إجراء تحاليل الخبرة الجينية لتأكيد هويات رفات مقابر فضاء تازمامارت بتاريخ 04 شتنبر 2024 بعد استعراض سلسلة من اللقاءات… أقر التقرير في الفقرة 886 على أن المجلس راسل أقارب عائلات الضحايا المتوفين بتازمامارت، واستجابت من خلال المراسلة 22 عائلة وقبلت الخضوع للتحليل الجيني من أصل 30 الذي تم مراسلتهم، وامتنعت 04 ولم يتم التأكد من توصل أو عدم التوصل 04 الآخرين. …فالتقرير لم يعلن بعد التوصل إلى نتائج المطابقة أو عدم المطابقة للتحاليل الجينية التي أجريت لـ 22 لأقارب عائلات الضحايا المتوفين بتازمامارت وماهي المدة الزمنية لإعلان النتيجة لأجل مباشرة كتابة أسماء المتوفون بالمعتقل. كما أن التقرير لم يتضمن- هل أجريت التحاليل الجينية لرفات مقر الوقاية المدنية التي أشار لها التقرير في السطر 04 من الفقرة 883 التحاليل الجينية لأحداث 1981 ولماذا لم يشير التقرير إلى التحاليل الجينية لأحدث 1990…وغيرها. الى جانب هذا تكرار جملة من الفقرات اذا تم مقارنتها بتقرير لسنة 2023 الفقرة 842 مع الفقرة 881….الخ.

الملاحظة الخامسة: في شأن حفظ الذاكرة من الفقرة 888 إلى 897، فبالرغم من الإيجابيات التي حظيت به التجربة المغربية في مجال حفظ الذاكرة إلا وأنه لم يحدد السقف الزمني لنهاية أشغال فضاء تازمامارت، لماذا، لأن سنة 2023 أكد المجلس على تتبعه المراحل الأخيرة لتهيئة فضاء تازمامارت، وفي تقرير 2024 تم ابرام صفقة من أجل مواصلة أشغال تهيئة معلم تازمامارت التذكاري (فقرة 891-892) تكرار نفس المعطيات، كما لم يتضمن التقرير باقي المراكز غير النظامية التي أوصت هيأة الانصاف والمصالحة بتحويلها إلى مراكز سوسيوثقافية مثلا: أكدز- درب مولاي الشريف- داربريشة…لم نجد أية معلومات عنها في التقرير. إلى جانب إشكالية المرتبطة بتهيئ متحف الحسيمة الفقرة 895 و الفقرة 896.

الملاحظة السادسة: في شأن التقارير المقدمة لهيئات المعاهدات (الفقرة 759- 760)، الذي يشير فيه المجلس تفاعله مع اللجنة المعنية بالاختفاء القسري من خلال تقريره الموازي، ولم يشير المجلس إلى الملاحظات الختامية للجنة المعنية بالاختفاء القسري الموجهة للمغرب في اطار العدالة الانتقالية منها على سبيل المثال لا الحصر: تدابير منع الاختفاء القسري (المواد 16 إلى 23)، تدابير حماية حقوق ضحايا الاختفاء القسري وضمان هذه الحقوق (المادة 24)، تدابير حماية الأطفال من الاختفاء القسري (المادة 25) وتدابير تتعلق بحفظ الذاكرة والمقابر الجماعية…وغيرها.

الملاحظة الأخير: مرتبطة بالفقرة 904 كنقطة فريدة ضمن التقرير السنوي لسنة 2024 حيث لازال مجموعة من الضحايا يطالبون المجلس بتسوية ملفاتهم الذي صنفت بملفات خارج الآجل منذ نهاية عمل هيأة الانصاف والمصالحة، غير أن التقرير لم يقدم إجابة شافية لمصير هؤلاء الضحايا وخصوصا منهم ضحايا ارتبطت ملفاتهم في زمنية اشتغال هيأة الانصاف والمصالحة منها بعض من الضحايا أحداث 1981 و1990 و1984 وكذا ملفات بعض من تلاميذ أهرمومو الذي صنفت ملفاتهم بعدم الاختصاص بالرغم من أن المجلس تم تعويض البعض منهم سنة 2019. وبالتالي، فإن هذه الملفات تارة يتم ذكرها في التقرير السنوي مثلا: (تقرير 2022) وتارة يتم تجاهلها (تقرير 2019-2020-2021-2023).

إذن فالفقرة 904 التي تتعلق ب “ملفات خارج الأجل” في التقرير السنوي لسنة 2024 الذي يقر من خلالها المجلس على أن تلك “الملفات سلمت لأرشيف المغرب سنة 2017 دون دراستها وترتيبها أو حفظ نسخ منها“، وأن المجلس  سيقوم  بعملية تصنيف وترتيب طلبات الضحايا من خلال فريق خاص للعمل. غير أن المجلس في تقريره السنوي لسنة 2022 في الفقرة 802 يقر على أنه “يتابع” “ وضعية مجموعة من الضحايا يعانون من الهشاشة“…”ويعمل المجلس مع السلطات العمومية، من أجل إيجاد حلول ملائمة لهذه الفئة من الضحايا“.

إذن، المجلس سنة 2017 سلم تلك الملفات لأرشيف المغرب ولا يتوفر على أية وثيقة من تلك الملفات حسب منطوق الفقرة 904، بالرغم من أنه منذ نهاية عمل الهيأة وضحايا خارج الأجل يطالبون بإنصافهم سواء في اطار المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أو في اطار المجلس الوطني لحقوق الإنسان الحالي، والغريب في هذه المقارنة كيف يقر المجلس في تقرير 2022 في الفقرة 802 على أنه “يتابع” و”يعمل” مع السلطات العمومية… ولا يتوفر على بيانات ومعطيات لأنه تم احالتها لأرشيف المغرب سنة 2017، والآن حسب منطوق الفقرة 904 في تقرير 2024 أنه سيشكل فريق عمل من جديد.

وفي الخلاص، فإن تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان لسنة 2024 الذي قدم متأخرا وبدون التصويت عليه من لدن الجمعية العامة للمجلس، فإن مضمون التبريرات التي قدمت لأجل إصداره تجعله يتبوأ المكانة العالية لما تضمنه من معطيات ومعلومات حول مسار حقوق الإنسان بالمغرب، وأن التوصيات التي قدمت تجعل المجلس مؤسسة دستورية ذات فعالية في هندسة مسار سياسات حقوق الإنسان بالمغرب بالرغم من تغيب توصية أو توصيات تتعلق بملفات عالقة ضمن منظومة العدالة الانتقالية وذكر بعض مشاريع قوانين تم إصدارها قبل اصدار التقرير مثلا: (قانون الإضراب- قانون المسطرة الجنائية).

غير أن مسار العدالة الانتقالية لازال يثير قلاقل في شأن مجال حفظ الذاكرة سواء على مستوى المراكز التي صنفتها الهيأة بالغير النظامية أو على مستوى المناطق التي عرفت بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجبر أضرار ضحايا ملفات خارج الأجل وعدم الاختصاص وتسوية ملفات تتعلق بالتقاعد التكميلي وموضوع كشف الحقيقة وجبر الضرر الفردي علما أن في تقرير 2023 أقر المجلس على أن هناك ملفات متبقية تتطلب استكمال وثائق ذوي الحقوق البلغة 134 ملفا ولم يشر لها في تقرير 2024 عن مآلها، أما جبر الضرر الجماعي الذي لم يتضمنه التقرير السنوي 2024 إلى جانب هذا أعتقد يجب تسريع إجراء وتعميم التحاليل الجينية لباقي الضحايا المجهولي الرفات وتمكين ذوي الحقوق من نتائج التحليل الجيني وفق زمن معقول ومحدد.

للاطلاع على المقال من مصدره  الجريدة الالكترونية اليوم 7 انقر أسفله:

د. المصطفى بوجعبوط، “ تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان 2024: تأخير في الإصدار وإصدار بدون مصادقة الجمعية العامة.”، تاريخ النشر: 23/03/2026.