مداخلة مدير المركز خلال الندوة الوطنية بكلية الحقوق- مكناس
"التوافقات والسياسة: تجديد النظرية الديمقراطية"
ينظم فريق الأبحاث والدراسات الدستورية والسياسية والدينية
بتعاون مع مختبر الدراسات القانونية والسياسية والدولية
وتنسيق مع
شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس
ندوة وطنية حول موضوع:
“التوافقات والسياسة: تجديد النظرية الديمقراطية”
“Compromis et politique : renouveler la théorie démocratique”
يوم الخميس25 دجنبر 2025 برحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس
مداخلة مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية، الدكتور بوجعبوط المصطفى
بعنوان:
“التوافقات في بناء الديمقراطية في المغرب – العدالة الانتقالية نموذجا”
لاشك أن البناء الديمقراطي في المغرب، بُنية مقوماته إثر الصراع السياسي مابعد الاستقلال، صراع اتسم بعنف الدولة (القسوة السياسية) اتجاه المجتمع…ترتب عنه انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، سواء كانت هذه الوقائع أو الأحداث عبارة عن:
- انتفاضات اجتماعية: انتفاضة 1956 و انتفاضة 1981 وانتفاضة 1984 وانتفاضة 1990 وباقي الأحداث الأخرى على مستوى الهامش.
- انقالابات عسكرية فاشلة: 1971 بالصخيرات- 1972 الطائرة الملكية (عملية بوراق اف 5).

هذه الأحداث التي كانت تسمى ب” سنوات الرصاص” بصمت جروح كبيرة في مخيال المجتمع المغربي وباقي الفاعلين السياسيين الآخرين، مما أصبح يطرح من خلاله،
- كيف يمكن تجاوز هذه الأزمة (هذا الصراع الخفي).
- كيف يمكن بناء الديمقراطية؟
- كيف يمكن للنظام السياسي المغربي أن ينتقل من مرحلة اتسمت بالصراع إلى مرحلة تتسم بالثقة والرضا بين مختلف الفاعليين؟
- كيف يمكن معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؟
- كيف يمكن التوافق على الاختلاف؟
- كيف يمكن استدامة العقد الاجتماعي الجديد بين الدولة والمجتمع؟
هذه الأسئلة، تجد ضالتها في التوافق أو التناوب لسنة (1998): التي مهدت الطريق إلى المصالحة بين القصر الملكي والمعارضة (أحزاب الكتلة)، حيث قاد المعارض “عبد الرحمن اليوسفي” الحكومة، مما مهد لانتقال سلس للسلطة.
وأن تاريخ النظام السياسي المغربي مرتبط بهذه التوافقات منها مثلا:
- التناوب التوافقي (1998):
- دستور 2011:
- الإجماع حول القضايا السيادية: ملفات مثل “الصحراء المغربية” ومبادرة الحكم الذاتي..
- التوافق الحكومي والبرلماني: “الاستقرار المنسجم” داخل المؤسسة التنفيذية.
- الإجماع على الإصلاحات الكبرى: تعزيز النفوذ الدبلوماسي وتجاوز التحديات الاقتصادية الناجمة عن الجفاف…الفيضانات والزلزال…
يستند النظام السياسي المغربي في جوهره وفي عدة محظات كبرى إلى مفهوم “التوافق” كآلية لتجاوز الأزمات وتدبير المخاطر وضمان التعددية، وهو ما يظهر بوضوح في بنية السلطة وتاريخها والعلاقة بين المؤسسات الكبرى في الدولة. ومن داخل البناء وهندسة مشروع الشيء المتوافق عليه: لابد أن يتم استحضار النقط التالي:
- الاستقرار السياسي: تجنب الصدامات الصفرية بين الأيديولوجيات المختلفة (إسلاميين، يساريين، تكنوقراط).
- الاستمرارية: ضمان عدم تأثر المشاريع القومية الكبرى بتغير الحكومات أو نتائج الانتخابات.
- التعددية المراقبة: السماح بوجود تيارات مختلفة شريطة التوافق على “الثوابت الوطنية” (الملكية، الإسلام، الوحدة الترابية، الاختيار الديمقراطي)
- تسوية الخلافات الانسانية؛
إذن كيف تم التوافق على مداخل العدالة الانتقالية بالمغرب؟
بنية العدالة الانتقالية بالمغرب تشكل أحد المداخل الأساسية المبنية على توافق سياسي ومدني بين مختلف الأحزاب السياسية والحركات الحقوقية وممثلي ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فتاريخ الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب تشكل أحد الأزمات الكبيرة التي لم يتم معالجتها إلا ما بعد التوافق السياسي لسنة 1998 حول مخلفات وإرث الماضي حيث تلاه نقاش واسع بين مختلف الحركات والفاعلون في المجتمع المغربي لأجل المعالجة النهائية لهذا الملف الذي عمر 43 سنة.
وعليه، يمكن تقديم خمسة (5) ملاحظات منتهيا بخمس خلاصات وهي على النحو التالي:
الملاحظة الأولى: التوافق السياسي حول إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب كان نقطة تغيير مهم في تاريخ المغرب، حيث اعتبره الملك محمد السادس خطوة حاسمة لطي صفحة الماضي وتحقيق الانتقال الديمقراطي، وحظي بدعم من المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني كآلية للتحقيق في انتهاكات “سنوات الرصاص” (1956-1999) وتعويض الضحايا ومعالجة باقي الملفات، رغم وجود بعض الانتقادات حول نطاق عمل الهيئة وحدود اختصاصاتها، لكنها شكلت إنجازاً هاماً في مسار العدالة الانتقالية المغربية.
الملاحظة الثانية: التوافق حول مسار إنشاء هيأة الانصاف والمصالحة ماهو إلا لاستمرار مسار الإصلاح واستكمالاً لجهود بدأت في عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله، وتكرست مع بداية حكم الملك محمد السادس نصره الله، بهدف تحقيق انفراج سياسي وتحسين صورة المملكة المغربية على مستوى الخارج. وفي نفس الوقت هو تجاوب مع مطالب الحركة الحقوقية: كانت استجابة لمطالب الكشف عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتحديد مصير المختفين قسرياً، والتعويض عن الأضرار التي لحقت الضحايا وذويهم وغيرها.
الملاحظة الثالثة:التوافق السياسي والحقوقي في معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بفعل الإشادة ملكية: أعلن الملك محمد السادس عن قرار إنشاء الهيئة كجزء من مسار المصالحة الوطنية، حسبما جاء في رسالته للمشاركين في المناظرة الدولية حول العدالة الانتقالية وفي مختلف محطات ومناسبات دوليو واقليميى لحقوق الانسان. وترحيب حقوقي واسع: رحب نشطاء المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية بالقرار، معتبرين إياه خطوة لتعزيز الديمقراطية في المملكة المغربية.
الملاحظة الرابعة: ارتبطت الصراع أحيانا والخلاف التقني حول نقط في النظام الأساسي للهيأة…غير أنها توجت بالتوافق مثلا حول تسمية “هيئة الإنصاف والمصالحة” بالمغرب كان يهدف إلى تجاوز الانقسامات والصراعات الخفية حول ملف “سنوات الجمر والرصاص” عبر آلية شاملة للعدالة الانتقالية، جمعت مكونات سياسية وحقوقية متنوعة (المجتمع المدني، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سابقا، وخبراء..)
- الجمع بين مفهومين: دمج “الإنصاف” و”المصالحة” للوصول إلى توافق مجتمعي وسياسي.
- تجاوز الأجندات والايديولوجيات: محاولة إبعاد الملف عن الصراعات السياسية الحزبية الضيقة وغيرها عبر تكوين هيئة ذات خلفيات متنوعة.
- الاستجابة لمتطلبات العدالة الانتقالية: استلهاماً من تجارب دولية للعدالة الانتقالية، وضعت الهيئة أسس جبر الضرر والاعتراف بالضحايا وتقديم توصيات إصلاحية مؤسساتية وقانونية وتفاعل مع المجتمع الدولي والانخراط في التصديق على مجموعة من الاتفاقيات والالتزام بها.
الملاحظة الخامسة: أن النظام السياسي المغربي إنتقل في تدبير هذا الصراع الذي يعتبر هو طرف باعترافه ومسؤوليته عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، من تدبير توافقي كبير إلى تدبير توافقي تقني على مستوى أعضاء الهيأة وعلى مستوى علاقتهم بنفسهم وعلاقتهم مع أجهزة الدولة والضحايا وذويهم والحركات الحقوقية. (تسليم المعتقل السري تازمامارت للمجلس الوطني لحقوق الإنسان- مساعدة هيأة الانصاف والمصالحة عن كشف الحقيقة…).
خلاصات واستنتاجات:
الخلاصة الأولى: أن التوافق السياسي في النظام السياسي المغربي له بنية تقنية في تدبير المخاطر ومعالجة الأزمات السياسية عبر التاريخ، وقد إستطاع إنجاح مسار التحول والانتقال إلى الديمقراطية من خلال المبدأ التشاركي لمختلف الفاعلين. بالرغم من الانتقادات التي اعترضته؛
الخلاصة الثانية: نجاح مؤسسي التوافق السياسي والحقوقي في تثبيت مسار العدالة الانتقالية خصوصا بعد هندسة توصيات هيأة الانصاف والمصالحة ضمن الوثيقة الدستورية 2011 وباعتبارها مشروعا مجتمعيا لبناء الدولة الديمقراطية تحترم فيها حقوق الإنسان بعيدا عن الصراعات والفهم الضيق لآليات العدالة الانتقالية في بعدها الدولي.
الخلاصة الثالثة: صدور التقارير النهائية للجان الحقيقة على مستوى تجارب العدالة الانتقالية في العالم يصبح موضوع صراع سياسي مرير بين الديمقراطيين وغير الديمقراطيين (استمرار الريع السياسي ومصالح الأقلية…)، وهو عادة استمرار للصراع القديم الذي لم يستطع أي طرف حسمه لصالحه، ذلك أن تبني العدالة الانتقالية في كل بقاع العالم يعني أن الصراع السابق انتهي دون أن يفرز صراع جديد. (إن التقرير النهائي المغربي يجسد مداخل إلى الديمقراطية خصوصا ما تضمنه وما تم دسترته).
الخلاصة الرابعة: التوافق السياسي بالمملكة المغربية حول العدالة الانتقالية هو توافق “براغماتي” منطقي وواقعي يوازن بين الحاجة إلى المصالحة والوحدة الوطنية ومعالجة إرث الماضي وبين ضرورة الحفاظ على استقرار الدولة والحفاظ على وحدتها، ما جعل التجربة المغربية تحظى بأهمية كبيرة في المجتمع المحلي والدولي وهي تجربة وتثير نقاشات حول مسار الانتقال الديمقراطي في المغرب.
الخلاصة الخامسة: بالرغم من التوافقات التقنية (الميكروسياسية بعيدا عن الماكروسياسي للعدالة الانتقالية)، في معالجة آليات العدالة الانتقالية سواء على مستوى كشف الحقيقة جبر الضرر بـأنواعه القيام بالاصلاحات القانونية والمؤسساتية وحفظ الذاكرة….إلا أن هذا المسار لم يكتمل في المعالجة وإنصاف باقي الضحايا وذوي الحقوق؟ ومن هنا يطرح تساؤل، ماجدوى التوافق إن لم يتم المعالجة الميكروسياسية لآليات لعدالة الانتقالية؟
