مقال: تقييم عقدين من نهاية عمل هيأة الانصاف والمصالحة بالمغرب: مُنجز في ظل ملفات عالقة.
تقييم عقدين من نهاية عمل هيأة الانصاف والمصالحة بالمغرب: مُنجز في ظل ملفات عالقة.
الدكتور بوجعبوط المصطفى
مدير المركز CMJTERI
تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب لعبت دورا مهما بالرقي بالمجتمع المغربي لضمان حقوقه واحترام انسانيته على مستوى الفضاء العام، فالمغاربة واكبوا عمل ومخرجات هيأة الإنصاف والمصالحة من خلال تقريرها النهائي وما تضمنه من قيم التي تهدف إلى الرقي بالمجتمع المغربي الذي يحاول القطع مع إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تجرد الإنسان من انسانيته.
هذه القيم مبنية على تعاقد جديد بين الدولة والمجتمع، تُرجم من خلاله سمو احترام القانون والمؤسسات والنهوض بحركة حقوقية قوامها التنمية المستدامة والحرية الإنسانية.
فمرور عقدين من تاريخ نهاية تجربة هيأة الانصاف والمصالحة بالمغرب التي حضت من تمكين التقرير إلى جلالة الملك محمد السادس وتوزيعه على نطاق واسع على مستوى الوطني وعلى مستوى الخارجي، غير أن الزمنية أو هذه الذكرى تطرح تساؤلات وهي تساؤلات مشروعة في الحقل الحقوقي والأكاديمي والسياسي…وغيرها وفي نفس الوقت تساءل إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب:
- هل عالجت هيأة الانصاف والمصالحة كل الملفات؟ طبعا لا،
- وهل عالجت لجنة متابعة تنفيذ توصيات الهيأة الملفات العالقة؟ طبعا لا،
- هل هذا يؤكد عدم وجود إرادة لاستكمال الملفات العالقة؟
- ماهي هذه الملفات التي عمرت حوالي عقدين من الزمن من انتهاء عمل الهيأة؟
- ما دور لجنة متابعة تنفيذ توصيات الهيأة بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان؟
- هل نحن أمام إرادة سياسية لطي هذا الملف أم في حاجة إلى جرأة مؤسساتية لمعالجة ما تبقى من الملفات؟
إذن فعقدين من العدالة الانتقالية بالمغرب هي قابلة للتقييم قابلة لإصدار أحكام …تجربة مفتوحة على تساؤلات، إن مرور عقدين على التجربة وما حققته من انجازات مهمة والكل يعرفها ولكن في نفس الوقت ورثت ملفات عالقة تحتاج إلى البحث والتحري لأجل المعالجة النهائية والبحث على مداخل فضلى للمعالجة ولإنصاف باقي الضحايا.
إذن مداخلتي تتضمن 05 ملاحظات و05 استنتاجات وهي على النحو التالي:
الملاحظة الأولى: تتعلق بكشف الحقيقة التي لازال الضحايا وذويهم ينتظرونها خلال عقدين من الزمن فهي ملفات التي ورثها المجلس عن الهيأة سواء العالقة في نظر الهيأة أو العالقة في نظر الحركات الحقوقية وفق ما تنص عليه المادة 24 من الاتفاقية المعنية بالاختفاء القسري كشف حقيقة الانتهاك مرتبطة بكشف مصير الضحية إلى التحديد والتأكد النهائي لجينات الضحية .
مجال كشف الحقيقة هو مجال محدود في ظل التجربة المغربية، بالرغم من بعض إيجابية التحريات التي أنجزت، بالتالي ضرورة استكمال كشف مصير الحالات العالقة التسع 9 أو الست 6 المعلن عنها أو الاثنين 2 وفق الاحصائيات الرسمية، والكشف عن الهويات الشخصية لأكثر من 120 من المتوفين خلال الأحداث الاجتماعية، وعن أماكن الدفن وقبور أكثر من 460 من ضحايا الانتهاكات، ومعرفة بشكل علمي ADN هويات الرفات المتواجدة في القبور المجهولة بتحديد بشكل دقيق تواريخ الاعتقال أو الاختطاف وأماكن الاحتجاز وظروف الوفاة وأسبابها….كما دعت الحركات الحقوقية إلى إنشاء آلية لاستكمال الحقيقة بشأن الحالات العالقة التي كانت محور نقاشات واسعة في فضاءات عمومية.
الملاحظة الثانية: تتعلق بإشكالية رفات الضحايا : التجربة المغربية لازالت فتية في الاعتماد بشكل واسع التحليل الجيني لرفات الضحايا، سواء تعلق الأمر بضحايا 1981 بالدارالبيضاء أخص بالذكر ” القبور الافتراضية التي تم دفنها قرب الوقاية المدنية” أو ضحايا 1990 بفاس أو ضحايا تازمامارت…..إلخ.
فكشف رفات الضحايا يستدعي الخبرة الجينية وفق القواعد العلمية للاستخراج الرفاة وما تم التوصل إليه تبقى عبارة عن “رفاة افتراضية” ولم تخضع إلا لتحليلات جينية سطحية غير معمقة ودقيقة. 44 حالة، وبالتالي يجب توسيع النقاش حول ضرورة مأسسة بنوك المعلومات لعلم الوراثة المغربية.
الملاحظة الثالثة: تتعلق ب “ملفات خارج الأجل: ” فقد ظهر في الساحة الحقوقية أو من خلال حركات ممثلي الضحايا داخل زمنية عمل هيأة الانصاف والمصالحة ما بين 1956-1999 ملفات أصبح يطرح عليه “خارج الأجل“، حيث هذه الملفات عمرت منذ نهاية عمل هيأة الإنصاف والمصالحة، ظهر من خلالها مجموعة من الضحايا وذوي الحقوق وخصوصا منهم ضحايا 10 دجنبر 1990 بفاس وضحايا آخرين من أحداث 1981 و1984 …، وما تبقى من ملفات أهرمومو (عدم الاختصاص) علما أن البعض منهم قدم ملفه للهيأة وطلب منه استكمال الوثائق ووجد نفسه عند نهاية عمل الهيأة “خارج الأجل”…. الكل وجدوا أنفسهم أمام مصطلح “خارج الأجل” بالرغم من أنهم يعتبرون ضحايا داخل زمنية هيأة الإنصاف والمصالحة 1956- 1999.
حجية ملفات خارج الأجل: رفض هذه الملفات بالنسبة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان غير مبررة، علما أن النظام الأساسي لهيأة الإنصاف والمصالحة في الجزء الأخير من الفقرة الرابعة من المادة التاسعة – “المقدمة إلى هيئة الإنصاف والمصالحة بمقتضى الأجل الجديد، لمدة شهر واحد، المقترح من يوم 12 يناير 2004 إلى يوم الجمعة 13 فبراير 2004؛”، هذا الأجل ولد ميتا مع العلم أنه لم يطلع عليه أي أحد إلا بعد صدوره بالجريدة الرسمية بتاريخ 10 أبريل 2004. وعليه، كيف يمكن للضحية أو ذوي الحقوق أن يطلع على الاعلان أو عن أجل دفع الملفات للهيئة والنظام الأساسي جاء متأخرا في الجريدة الرسمية بـ 56 يوما (من 13 فبراير إلى 10 أبريل ).
الملاحظة الرابعة: جبر الضرر الفردي أو الجماعي:
- حرمان مجموعة من الضحايا من التقاعد التكميلي (المعاش) بالرغم من أنهم كانوا موظفين عموميين، (ضحايا تازمامارت)؛
- جبر باقي الأضرار لضحايا “خارج الأجل” وبعض مجهولي المصير؛
- عدم استمرار برامج جبر الضرر الجماعي التي توقفت منذ مدة في 149 مشروع فقط…
وبالتالي فتقييم عقدين من عمل الهيأة يستدعي تقيم تلك المشاريع والاطلاع على اللوائح الإسمية للضحايا بعد تحينها عن اللوائح 2010 ومعرفة الضحايا المستفيدين من الادماج الاجتماعي1472 والتأهيل الصحي والنفسي 9071 والتسوية الادارية والمالية 350 والتعويضات الفردية 27723….
الملاحظة الخامسة: تتعلق بحفظ الذاكرة؛ وقد أنجز مايلي:
- تأهيل فضاء تازمامارت 36 مليون درهم؛
- متحف الحسيمة 15 مليون درهم؛ و 9 مليون مابين 2019 -2023
- تأهيل محموعة من المقابر أكدز قلعة مكونة
- نصب تذكاري ضمن قبور أحداث 1984 و 1981….إلخ.
ولكن بالرغم من ذلك، فإن برامج حفظ الذاكرة تتسم بالضعف (محاولة نسيان الماضي) عدم تنفيذ توصيات الهيأة التي تقر بتحويل جميع المعتقلات غير النظامية إلى مراكز سوسيوثقافية (تازمامارت، اكدز، قلعة مكونة، درب مولاي الشريف، دار بريشة …) وإتاحة أرشيف الهيأتين للعموم وللباحثين على الخصوص.
استنتاجات وخلاصات:
على ضوء هذه الملاحظات نصل إلى 5 استنتاجات أساسية، علما أن مقاربة آليات العدالة الانتقالية باعتبارها مدخل للتعاقد الجديد بين الدولة والمجتمع لتحقيق الوحدة الوطنية والمصالحة المجتمعية لأجل بناء الثقة في المؤسسات الدولة وترسيخ قيم حقوق الإنسان وهذا لن يتم تحقيقه إلا بالإنصاف والمصالحة الكاملة بين الضحية والدولة.
أولا: أن ملف كشف الحقيقة لازال يُثير نقاش واسع لدى الضحايا المباشرين…. ويثير محور اهتمام الفريق المعني بالاختفاء القسري واللجنة المعنية بالاختفاء القسري إلى جانب الحركات الحقوقية… وهذا يؤثر على مسار العدالة الانتقالية بالمغرب في ظل الإشكاليات التالي:
- تأخر المغرب في تقديم تقرير إلى اللجنة المعنية بالاختفاء القسري وننتظر تقرير 2028؛
- عدم توفر معلومات إحصائية مصنفة عن الأشخاص المختفين بشكل دقيق وحديثة مصنفة حسب النوع والعمر….وتاريخ الاختفاء وعددهم؛
- غياب تدابير تشريع لأجل ضمان تنظيم الوضع القانوني للمفقودين؛
- تضارب الأرقام في التقارير الرسمية؛
ثانيا: أن إشكاليات ملف الرفات بالمغرب لازال عالقا والنتائج جد محدودة لانعدام التحليل الجيني ADN حيث أن معظم الرفات التي استخرجت لا تخضع عمليا لنهج متعارف وعالمي؛
ثالثا: أن ملفات ضحايا “خارج الأجل ” وانعدام أمل في معالجته من لدن مؤسسات الدولة يثير حيف لعدم انصاف الضحايا من اختصاصات هيأة الإنصاف والمصالحة 1956-1999؛
رابعا: أن معالجة ملف ضحايا الموظفين في اطار التسوية الإدارية والمالية لازال عالقا لدى مجموعة من الضحايا من مختلف الأحداث منهم التقاعد التكميلي لضحايا تزمامارت؛
خامسا: أن حفظ الذاكرة في تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب لازالت ضعيفة وأن الأماكن التي برمجت لم يتم استكمالها بعد…. حالة: داربريشة، قلعة مكونة، أكدز، تاكنيت، درب مولاي الشريف، الكوربيس....ومعظمها أصبحت آيلة للسقوط… وبذلك وجب توسيع المشاورات والتنسيق مع الضحايا في اطار برامج حفظ الذاكرة وتحويل مواقع الذاكرة إلى أماكن سوسيو ثقافية ودمج مقاربة العدالة الانتقالية في المناهج التعليمية وتوسيعها في الجامعات المغربية. وتخصيص يوم وطني لحفظ الذاكرة كسائر بعض التجارب.
في الأخير، فإن، نجاح التجربة في بعدها الحقوقي والسياسي يحتاج إلى إرادة وتظافر ومواصلة الجهود من لدن مختلف الفاعليين الرسمين وغير الرسمين من خلال هندسة جديدة من إحداث لجنة مؤسساتية مستمرة في المستقبل متخصصة في الرفات والطب الشرعي ومعالجة الملفات العالقة… وغيرها من التحريات واستبعاد العقل التقليدي في التدبير والمعالجة ونهج نهج عقلانية ضمن المتغيرات الدولية لأجل مصلحة الوطن والمواطنين.
فالملفات العالقة أصبحت تؤثر بشكل حقيقي على منجز العدالة الانتقالية وخير دليل ما تضمنته التقارير الموازية للمجتمع المدني المرفوعة للجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري سواء سنتي 2022 وتفاعلها سنة 2024 وما تطرحه الساحة الحقوقية من ملفات مرتبطة بضرورة استكمال تنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة أو التعويضات الفردية (ملفات خارج الآجل) وحفظ الذاكرة والتقاعد التكميلي وكشف الحقيقة والرفاة…الخ.