تقرير الندوة العلمية حول: العدالة الانتقالية في سوريا : أفقا للتفكير
تقرير حول العلمية حول:
العدالة الانتقالية في سوريا : أفقا للتفكير
الجلسة الافتتاحية
في إطار الديبلوماسية الحقوقية نظم المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية، ندوة دولية تفاعلية حول موضوع “العدالة الانتقالية في سوريا: أفقا للتفكير”، وذلك يوم الاثنين 10 مارس 2025، على الساعة التاسعة والنصف ليلا عن بعد، عبر موقع المركز CMJTERI2018.
بمشاركة كل من:
- د. محمد النشناش، عضو هيأة الإنصاف والمصالحة
- مصطفى المنوزي، أمين عام شبكة أمان المغرب للحماية والوقاية من التعذيب
- ابتهال عبد اللطيف، عضوة هيئة الحقيقة والكرامة بتونس ورئيسة لجنة المرأة ونائبة رئيس لجنة التحكيم والمصالحة بالهيئة
- أنور البني، رئيس المركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية؛
- نوران الغميان، ناشطة سورية في حقوق الانسان؛
- المصطفى بوجعبوط، مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية
- أحمد حجازي، تسيير وإدارة الجلسة: محامي بهيأة الرباط
افتتحت أشغال هذه الندوة بكلمة رئيس الجلسة المحامي بهيأة الرباط السيد أحمد حجازي، بصفته مسيرا ومديرا للجلسة، الذي رحب بالمشاركين والمشاركات، كل واحد باسمه وصفته، وعبر عن سعادته الفائقة بوجد ثلة من النشطاء والحقوقيين الذين سيغنون النقاش بمداخلاتهم القيمة، كما وجه الشكر الخالص للمتفاعلين والمتفاعلات والمشاهدين والمشاهدات، ومن خلالهم شكر مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية السيد المصطفى بوجعبوط على الدينامية التي يعيشها المركز، وهنأه على حسن اختياره لهذا الموضوع الذي يكتسي طابع الراهنية في ظل الظروف التي تعيشها الدولة العربية الشقيقة سوريا، والتي أثرت وتؤثر في السوريين والسوريات كضحايا للعديد من الانتهاكات في حقهم، خاتما كلمته التقديمية بمجموعة من التساؤلات؛ من قبيل، ما نوع العدالة التي تفضلها سوريا لفض النزاعات القائمة، والخروج بأقل الخسائر من الوضع الراهن؟ هل هي عدالة انتقالية؟ أم انتقائية؟ وما مميزات كل نوع على حدة؟ ثم عبر أخيرا عن مدى حاجة الدول العربية إلى عدالة انتقالية سلمية.
أحال الأستاذ الكريم الكلمة للدكتور والأكاديمي السيد المصطفى بوجعبوط، بصفته مديرا لمركز العدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية، الذي رحب بالمشاهدين الكرام، كما عبر عن خالص سعادته بهذا اللقاء العلمي الهام الذي يندرج في إطار سلسلة الأنشطة التي ينظمها المركز كما أشار إلى رغبته الشديدة في عقد الندوة حضوريا لولا ظروف الأشقة المشاركين والشقيقات المشاركات، مما يعبر عن جدية ونضج وفعالية النقاش، كما اعتبر هذه الندوة مجرد لقاء أولي حبذا لو اسس لسلسلة من الحلقات في نفس الموضوع، لم يغفل الدكتور الجليل أيضا عن تقديم مجموعة من النصائح والتوجيهات لتثمين جهود الأعضاء المشاركين والمشاركات، كما لم يفوت الفرصة لشكر جميع الأساتذة المشاركين والأستاذات المشاركات، دون أن ينسى المشرف والتقني داخل مركز العدالة الانتقالية بالمغرب السيد القادري المكي خلافة ، باسطا دور المركز في وضع أرضية هذه الندوة تحت عنوان ” العدالة الانتقالية في سوريا: أفقا للتفكير“، للخروج بحلول استرشادية للوضع الذي عاشه ويعيشه الضحايا من المعاملات والانتهاكات اللاإنسانية والجرائم التي ارتكبت في حقهم، وإعادة التوازن للدولة بعد سقوط النظام السابق عن طريق البحث عن مداخل الاستقرار السياسي والاقتصادي، متسائلا عن هذه المداخل الأساسية لتأسيس عقد اجتماعي؟ متمنيا إيجاد نموذج عدالة انتقالية من خلال هذا العرض الذي سيكون غنيا بتجارب من داخل الحقيقة.
اختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة السيد أحمد حجازي، بصفته رئيسا ومسيرا لأشغال هذه الندوة، الذي نوه بكلمة السيد المصطفى بوجعبوط، قبل أن يحيل الكلمة إلى المشاركين والمشاركات.
الجلسة العلمية
استهلت بكلمة السيد أنور البني رئيس المركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية، متفضلا بإلقاء عبارات التحية والشكر على المشاركين والمشاركات، مذكرا بتاريخ إحداث المركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية في سنة 2011، كمركز حديث نسبيا مقارنة بمراكز أخرى في باقي الدول، قبل أن يمر إلى مداخلته تحت عنوان “مستقبل العدالة في سوريا“، والتي تحدث فيها، بداية عن الانتهاكات والجرائم التي يعيشها الشعب السوري، مذكرا بأنها ليست وليدة سقوط النظام بل تعود تقريبا لسنة 1958، مقترحا أن معالجة ملف ضحايا الانتهاكات لن يحل بشكل نهائي؛ إلا إذا شمل كل ضحايا الانتهاكات منذ التاريخ المذكور، حيث ارتكبت كل أنواع الجرائم المجرمة بنصوص القانون الدولي الإنساني في حق 80% من سكان سوريا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في معرض حديثه عرج على لجان الحقائق في كل من تونس وسوريا وعن الأدوار التي قامت بها في إرساء عدالة تصالحية بهاته البلدان، في حين فشل هذه اللجان في التأسيس للسلم ببلدان أخرى، ثم تحدث عن أنواع أخرى من العدالة؛ كالعدالة الانتقائية التي تميز بين الأفراد على أساس الدين أو القومية والعدالة الانتقامية المبنية على الثأر، وميز بين هذه الأنواع وبين العدالة الانتقالية التي تهدف إلى التعويض وجبر الضرر لإعادة الثقة بين الضحايا وبيئة المجرمين، مؤكدا على أن جبر الضرر ينبغي أن يحتضن كل الضحايا بدون استثناء وبدون أدنى تمييز فيما بينهم .
انتقل السيد أنور البني من مقاربة تجارب البلدان الأخرى إلى الوضع في سويا وتصورات العدالة التي يتفق عليها الشعب السوري، والتي تتجسد في محاكمة كل المجرمين والمعتدين لإعادة الثقة بين أهالي وروافد الشعب السوري، معتبرا أن التجربة السورية مع الانتهاكات تختلف عن أي انتهاك آخر في بلد معين، لأن هذه الانتهاكات لم تقتصر على فئة معينة بل شملت كل الفئات التي عانت من ويلات وظلم النظام الاستبدادي في عهد بشار الأسد، لذا فحافز إعادة الثقة والمحافظة على السلم في سوريا لن يكون في نظره إلا بالتخلص من هذا الماضي، لكن تطبيق العدالة التصالحية أو الانتقالية على غرار باقي التجارب، يعترض سبيله مجموعة من العوائق والتحديات والمتمثلة في:
- ارتفاع عدد المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجرائم، خاصة أولئك الذين اركبوا هذه الجرائم مباشرة أو بأنفسهم، والذي يصل عددهم تقريبا إلى 4000.وتخصيص مبالغ مالية مهمة لهذا الغرض.
- وجود عدد كبير من الأشخاص الذين قاموا بهذه الجرائم بشكل غير مباشر، عن طريق الترويج أو تدعيم من قاموا بهته الانتهاكات بالدرجة الأولى، ويصل عددهم إلى 14.000 شخص تقريبا.
- فئة المجرمين الذين ارتكبوا جرائم دون نية القيام بها أو قصد جرمي، إما دفاعا عن أنفسهم وإما لتواجدهم في حالة النزاع، ويفوق عددهم 100.000 شخص.
لذلك اعتبر أنه من الصعب تطبيق عدالة انتقالية بحذافيرها دون المرور بالخطوات الآتي ذكرها:
- نشر الوعي بضرورة العدالة الانتقالية في المضي بالمجتمع قدما نحو زرع السلم والاستقرار.
- التعويض عن الضرر للتخفيف من حالة الاحتقان ومحاولات الانتقام.
ختم بكون العدالة الانتقالية في تونس تجربة نموذجية يحتذى بها، وما جعلها ناجحة هو عدد الضحايا القليل مقارنة بضحايا الاعتداءات بسوريا.
أحيلت الكلمة إلى عضو هيأة الإنصاف والمصالحة بالمغرب، الدكتور السيد محمد النشناش الذي قال بأن هذه الندوة تعتبر فقط لقاء أوليا، يمكن الحديث من خلاله على ” النظام السابق ومخلفاته”، فلا زال الوقت مبكرا في نظره للحديث عن تطبيق عدالة انتقالية خلال الوضع الراهن، ثم انتقل إلى وضع المجتمع السوري كمجتمع له خصوصياته وثقافته التي تميزه عن باقي البلدان التي مرت من تجربة العدالة الانتقالية، باعتباره مجتمعا متعدد الروافد، لذا من الصعب إسقاط أية تجربة عليه، ضاربا المثل بتجربة العدالة الانتقالية بالمغرب، التي رغم تعدد أنواع الانتهاكات بالدولة من حالات الإختفاء القسري والتعذيب ، إلا أن الاختلاف يكمن في اتفاق كافة مكونات الشعب المغربي كانت متفقة على أن الحل الأمثل لغلق ملفات الماضي هو تأسيس هيئة للإنصاف والمصالحة والانفتاح على المجتمع المدني، بالإضافة إلى ميزة الاستقرار الذي كان ينعم بها البلد، أما في سوريا فالوضع يختلف، فعمليا يصعب إحداث لجنة للحقيقة في ظل انعدام الاستقرار وحكومة قائمة.
خلص المتدخل إلى أنه بالرغم من الظروف الحالية، إلا أن المحطة التي ينبغي البدء منها؛ هي جمع وتوثيق الشهادات، لاستثمارها عندما يحين الوقت المناسب، واستبعاد كل محاكمة في الوقت الراهن، خاصة في ظل غياب تحديد دقيق للمسؤوليات وغياب دولة تتحمل مسؤولية الانتهاكات التي ارتكبت، زد على ذلك رهان العدد الكبير من المجرمين، والذي يزيد الوضع تأزما أمام استحالة معاقبة هذا العدد الكبير من المنتهكين للقوانين. خاتما مداخلته القيمة بأن الحلول الملائمة، ترتكز على بناء الاستقرار والديمقراطية في سبيل البحث عن الحقيقة.
أحيلت الكلمة إلى السيدة ابتهال عبد اللطيف، عضوة هيئة الحقيقة والكرامة بتونس ورئيسة لجنة المرأة ونائبة رئيس لجنة التحكيم والمصالحة بالهيئة، التي بدأت كلمتها بأجمل عبارات التحية لكل الخبراء والمهتمين والمتابعين، متمنية للشعب السوري مستقبلا خال من كل انتهاكات حقوق الإنسان، في اتجاه المصالحة الشاملة بين كافة مكونات الشعب. منتقلة إلى الحديث عن التجربة التونسية بحلوها ومرها.
ابتدأت هذا الموضوع بالتعريف بالتجربة التونسية في إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة، وذلك سنة 2014، التي استمر عملها ما يقارب الأربع سنوات والنصف، وفي معرض حديثها، تطرقت إلى الاختلالات والأخطاء التي وقعت فيها هذه التجربة؛ من أجل تلافيها من طرف التجربة السورية؛ من بينها:
- عدم وضوح الفصول القانونية المنظمة للهيئة في سبيل إحقاق العدالة الانتقالية؛ من قبيل مصطلح الضحايا، وتحديد الدوائر القضائية المختصة بتنزيل العدالة الانتخابية.
- عدم تحديد والنص على الدوائر الاستئنافية والتعقيبية، مما حرم الضحايا من الحق في التقاضي على درجتين.
- عدم إحداث صندوق مالي خاص بهذه الدوائر من أجل تعويض الضحايا، دون انتظار تحسن الوضعية المالية والاقتصادية للدولة.
- إدراج المحاكمات المتعلقة بالانتهاكات في مجال حقوق الإنسان مع محاكمات رجال أعمال الفساد المالي، مما أثر على حقوق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.
لكن المتدخلة الفاضلة نوهت عموما، بالتجربة التونسية كتجربة فريدة حاكمت الانتهاكات لحقوق الإنسان، كما نظرت في ملفات وقضايا الفساد المالي، منبهة الدولة الشقيقة بضرورة التمييز بين انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الفساد المالي وعدم وضع هاذين النوعين من القضايا في هيئة واحدة، بل الفصل بينهما في هيئتين مختلفتين، حتى لا يتم الإضرار بالضحايا، وإعمال مقاربة النوع الاجتماعي داخل هذه الهيئات، لأن في نظرها كل عدالة لا تنبني على مقاربة النوع الاجتماعي هي عدالة ناقصة وعرجاء، خصوصا أن المرأة السورية كانت دائما ولا تزال في قلب الحدث؛ بما قدمت من ضحايا جسام كما أن آثار الانتهاك على المرأة أشد وأقصى على المرأة منها على الرجل، فإن لم تكن ضحية بعينها، فهي إما أم أو أخت أو زوجة أو ابنة الضحية الرجل.
موردة نصيحة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها؛ تتجسد عدم التفريط في جمع وتوثيق الحقائق؛ سواء كان ذلك عن طريق التقارير المكتوبة الوطنية والدولية، والأسماء المنشورة، وشهادات وإفادات الضحايا، والتقارير السرية، والشهادات الطبية، وأرشيفات المقرات الأمنية، هذه الوسائل هي التي ستساهم فيما بعد في إثبات الأفعال الجرمية.
انتقلت الباحثة والمتخصصة ابتهال عبد اللطيف، إلى تثمين دور الجلسات العلنية في الرقي بالوعي الشعبي وكسر حاجز الصمت لدى الضحايا، ووضع وحدات صحية للإنصات للضحايا في انتظار إحداث هيئات لجبر الضرر.
وختمت المداخلة بأن أي تجربة جاهزة لا يمكن إسقاطها على النظام السوري، لأن لكل دولة مميزاتها الخاصة، لذا عليها تحديد أولوياتها وترتيبها، حسب جدول زمني، في برنامج يوزع الاختصاصات والمهام على هيئات متنوعة ليسهل القيام به، لكن في نفس الوقت تتقاطع هذه المسارات وتتكامل فيما بينها من أجل جبر ضرر المتضررين والمتضررات.
المتدخل الرابع كان هو السيد مصطفى المنوزي، أمين عام شبكة أمان المغرب للحماية والوقاية من التعذيب، الذي تحدث عن التجربة المغربية لجبر ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وسنوات الرصاص، في محاولة لاستحضار ظروف وسياق التجربة، فالضحايا رغم ما عانوه، إلا أن ذلك كان في نظام ودولة قائمتين، حيث لم تكن هناك قطيعة مع الدولة التي تحملت مسؤوليتها واعترفت بأخطائها، أما سوريا ففي ظل عدم الاستقرار وتحديد المسؤوليات، لذا فنحن في هذه الحالة نتحدث فقط عن عدالة انتقالية توقعية، تواجه خطر العودة إلى العنف الذي يجب تفاديه بكل السبل. خاصة أن الدولة الشقيقة تواجه خطرين محدقين بها؛ أحدهما علاقات الجوار بما يشكله من نزاع وجودي، وثانيهما، نزاع داخلي، كما لم ينسى الحقوقي المخضرم، التنويه بخصائص ومميزات الشعب السوري القادر على الخروج من هذه المحنة بجسم ونفسية سليمتين وبيئة حقوقية، كشعب مثقف.
بدل المتدخل أيضا العديد من النصائح والمقترحات، من صميم الواقع:
- تأجيل إثارة المسائلات الفردية، لإنقاذ ضحايا المعتقلات السياسية، فتعاون الأجهزة الأمنية واستلال الحقائق منها، ضروري وإجراء استعجالي للوقاية من المزيد من الانتهاكات.
- المحاسبة والتقييم، يجب أ يشمل كل من أجرم في حق الدولة السورية منذ تأسيسها.
- استنفاذ الآليات الوطنية، قبل اللجوء إلى الآليات الدولية في تدبير سياسة عدم الإفلات من العقاب-كمرحلة لاحقة-لتجنب العدالة الانتقائية.
- الاستفادة من دروس وعبر الماضي في إرساء عدالة انتقالية ديمقراطية وحقوقية.
في ختام دراسته خلص إلى أنه بالرغم من تعدد التجارب في مجال العدالة الانتقالية، إلا أن هذه الأخيرة ليست وصفة جاهزة أو موضة، بل لها آلياتها الخاصة التي على الشأن السوري أ يضعها في القالب الذي يلائمه، خاصة أن النزاع السوري هو نزاع داخلي سيادي محض، ينبغي أ تطبق عدالة انتقالية تناسب خصوصياته واتخاذ الإجراءات الازمة لنزع السلاح ضمانا لعدم العودة إلى العنف، وعد تفاقم انتهاكات بشتى أنواعها؛ من اختفاء قسري، واعتقال تعسفي، …كما شدد أنه لا مانع من الاستعانة بالآليات الأممية على علتها ضمانا للأمن والسلم الداخليين.
المتدخلة الخامسة كانت هي نوران الغميان الناشطة الحقوقية في ميدان حقوق الإنسان، التي تحدثت بلسان ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في ظل النظام الديكتاتوري الأسدي، كما جاء في وصفها، والتي اعتبرت أن العدالة الانتقالية، لا يمكن أن تمسح دموع الأمهات ولن تعود بأجداث الضحايا للحياة من مقابرهم الجماعية تحت التراب، كما تحدثت بكل أسى عن لا وجود لأي عدالة انتقالية أو مصالحة في غياب عدم تسليم السلاح وعدم الاعتراف بالحقائق ومفاوضات تحت الطاولة.
قدمت الناشطة مدخلا يعد بالنسبة لها أساسيا في تثبيت العدالة الانتقالية:
- محاكمة حقيقية وليست صورية أو شكلية، لكل من قام بالتعذيب والتهجير والتقتيل.
- محاكمة كل المنتهكين والمجرمين شرط ضروري للنحو بسوريا نحو مستقبل أفضل، ولو تطلب الأمر العديد من السنين لمحاكمتهم.
في الأخير خلصت إلى أن الاقتتال بين الطوائف، هو نزاع متوارث، وتنشئة طعمها وزاد من تعميقها في النفوس نظام الأسد، ولا علاقة لمكونات وفئات الشعب السوري فيه، لذلك الانفلات اليوم من هذه القبضة الديكتاتورية الاستبدادية، إذا ما سلك المسار الصحيح، من شأنه أن يتحول مع الوقت إلى التحرر من الخوف وانصهار مكونات الشعب السوري والعيش في وئام وسلام مستقبلا. فالوعي الجماعي هو الحل والسبيل الوحيد والأوحد للخروج بأقل الأضرار من هذا الشرخ الكبير.
المتدخل السادس والأخير هو السيد المصطفي بوجعبوط، مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية، شارك بمداخلة حول آلية مهمة من آليات العدالة الانتقالية، ألا وهي المشاورات الوطنية كشرط وضرورة للوصول إلى المصالحة.
استهل موضوعه بمقدمة تلخصت في أن المجتمع المدني في سوريا، قبل إسقاط نظام بشار الأسد كان يفكر في أفق التغيير والتحول على مستوى العدالة الانتقالية، وفي متن حديثه تطرق إلى آليا تطبيق هذه الأخيرة والتي تتم بملائمة تامة مع الخصائص المحلية والإقليمية والوطنية، ولأجرأتها ينبغي التركيز على النقط الآتية:
- تفعيل المشاورات الوطنية هي من أهم المراحل في العدالة الانتقالي: عن طريق فتح نقاش بين فعاليات المجتمع المدني لاستيعاب حجم الضرر الذي لحق الضحايا.
- استحضار عنصر السلام الإقليمي والإطار الأمني، وما تعرفه الدولة من ضعف في هذه الفترة الانتقالية، وإنشاء لجنة مؤقتة لتشخيص الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
- التفكير في وضع برامج لجبر الضرر.
- فهم احتياجات الضحايا، فمن أفضل التجارب الناجحة تلك التي تفتح حوارا مع الضحايا لاسترجاع ثقتهم في المجتمع بالاستماع إلى معاناتهم.
من خلال هذه الدراسة خرج السيد المصطفى بوجعبوط بمجموعة من الخلاصات والعبر تتمثل فيما يلي:
- المشاورة أساس بناء مقومات الوطن وتوسيع ثقافة الإلمام بما وقع في تاريخ سوريا.
- تكوين تجربة استثنائية، لأن نسخ التجارب يؤدي إلى معالجة معطوبة من انتهاك ثقافة البلد وخصوصياته، وتبني حلول لمشاكل لم تطرح أو عدم صياغة حلول لملفات مطروحة.
- النظر إلى المستقبل عبر البناء لا الهدم للوصول إلى أهداف العدالة الانتقالية، وتأسيس لجنة للحقيقة منتخبة وليست معينة.
- التفاعل مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان والأمم المتحدة كهيئات تقدم الاستشارة والتدريب والتكوين في مجال حقوق الإنسان.
مناقشة عامة
اختتمت أشغال الندوة التفاعلية بفتح باب النقاش أمام المشاهدين المشاهدات للتفاعل مع قضايا وأفكار المتدخلين والمتدخلات، ويظهر جليا انطلاقا من عدد المتفاعلين والمتفاعلات وجدية الأسئلة المثارة، مدى حيوية المواضيع، وعلاقتها بالواقع الدولي، ثم اهتمام وحسن تتبع كل محطات الندوة. حيث تلقى المتدخلين والمتدخلات العديد من الأسئلة نقتصر على بعض منها:
- ماهي التشريعات والقوانين التي يجب أن تسن لأجرأة العدالة الانتقالية؟ ومن الجهة المكفول لها سن هذه القوانين؟
- هل يمكن القول بأن الإطار القانوني للتجربة التوقعية للعدال الانتقالية في سوريا يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني؟
- هل يمكن الحديث عن عدالة انتقالية في الوضع الراهن، في ظل استمرار انتهاكات حقوقية جسيمة تمارس باسم النظام الحالي؟
- كيف يمكن ضمان التوفيق بين إحقاق عدالة انتقالية وعدم الانتقام؟
- هل بدأ التفكير جديا في إحداث لجان للمصالحة والحقيقة؟
تفاعل المتدخلون والمتدخلات إيجابيا مع هذه الأسئلة، ونسوق أجوبتهم تركيبي كالتالي:
أشار السيد أنور البني، إلى اختلاف الوضع في سوريا عما سار في كل من المغرب وتونس، أو في عدد من الدول الأخرى، فلا يمكن بالنسبة له الحديث عن المصالحة وجبر الضرر دون محاكمة المجرمين الذين ارتكبوا جرائم شنيعة في حق 80% من سكان الشعب السوري على مرأى ومسمع من العالم. كما تحدث عن آليات لمحاكمة هؤلاء، عن طريق محاكم دولية وطنية تتبنى قانون روما الدولي، ويوجد على رأس هذه المحاكم قضاة سوريون ضمانا للحيادية، هذه المحاكم لا تنتمي للتنظيم القضائي السوري القائم، مشيرا إلى التأهب والاستعداد التام على أنشاء هذه المحاكم، بوضع خطة عمل تم البدء في تفعيله، من ذلك تدريب 10 مدعين عامين، و 40 قاضيا.
أما عن الهيئة المكلفة بتنزيل العدالة الانتقالية، فستنتخب في ظل حكومة مؤقتة برئيس مؤقت، بناء على إعلان دستوري ينظم هذه الفترة المؤقتة. ولتعويض الضحايا وتنفيذ أحكام المحاكم، تم التفكير في إحداث صندوق خاص بهيئة العدالة الانتقالية يعتمد على التبرعات والدعم الدولي ومصادرات أموال المجرمين.
بالنسبة لرد الأستاذ محمد النشناش، ارتكز على أنه لا يمكن ضياع السنوات والأعوام في انتظار محاكمات شخصية فردية يمكن ألا تبلغ المقصد، ونوه بالأثر الفعال والآمن للمصالحة وجلسات الاستماع على القنوات العمومية، وهذا جزء من الدعم والعلاج النفسي، ورد للاعتبار للضحايا وإسهام في بناء استقرار الدولة.
اتفق الأستاذ مصطفى المنوزي، الذي ثمن جودة كل المداخلات، مع السيد النشناش في ضرورة ترتيب الأولويات وحتى وإن لم ينادي بإلغاء المحاكمات، فقد شدد على ضرورة تأجيل المسائلات الجنائية وانتظار زمن انتقالي بعيدا عن إيديولوجية منهزم أو منتصر، كما أكد أن العدالة الانتقالية هي بعيدة كل البعد عن العدالة الجنائية.
عقبت نوران الغميان على أسئلة المشاهدين، رغبة الشعب السوري في معاقبة الجناة وعدم المماطلة في الحساب، ضاربة المثل بمقولة: “من أمن العقاب أساء الأدب”.
ضم مدير المركز المغربي السيد المصطفى بوجعبوط رأيه إلى السيدين المنوزي والنشناش باعتبارهما عايشا تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة عن قرب، كما نوه بهذا النقاش الحماسي الذي انفتح على التفكير في أفق مستقبل العدالة الانتقالية بسوريا، كما أعرب عن صعوبة الحديث عن محاكمات في ظل انعدام الاستقرار وانعدام جسم قضائي مستقل، وغياب تحديد المسؤوليات، وكذا الوسائل والحجج الدامغة على ارتكاب الجناة لانتهاكات حقوق الإنسان.
تدخل السيد رئيس الجلسة بعبارات الشكر والتقدير في حق الجميع، مع إعلانه على رفع الجلسة.