تقرير الندوة الدولية حول موضوع: العدالة الانتقالية في اليمن: أفقا للتفكير

تقرير الندوة الدولية حول موضوع: العدالة الانتقالية في اليمن: أفقا للتفكير

نظم المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية ندوة دولية حول موضوع: “العدالة الانتقالية في اليمن: أفقا للتفكير“، وذلك يوم الاربعاء 04 مارس 2026 على الساعة 19.30 ليلا عبر تطبيق الزوم.

وقد استهل السيد ذ. مصطفى بوجعبوط: مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية.  مسير الجلسة بكلمة ترحيبية جامعة، وكلمة شكر إلى السادة الباحثين والمهتمين على قبولهم الدعوة للمشاركة في هذا اللقاء العلمي، وأقدم لهم خالص التحيات والتقدير من المملكة المغربية. يأتي هذا اللقاء في إطار سلسلة الأنشطة التي ينظمها مركز-الجهة المنظمة لهذا اللقاء-بالشراكة والتعاون مع الأستاذ القاي أحمد محمد الهتار، الذي أشكره من هذا المنبر على إثارة موضوع في غاية الأهمية، يتعلق بالعدالة الانتقالية في اليمن وفقاً للتفكير الراهن.

وفي كلمة افتتاحية وأرضية الندوة لمدير المركز الذي أشار إلى أن اليمن شهدت، خلال العقود الماضية، تحولات وصراعات وتراكمات تركت أثراً عميقاً على بنية الدولة والمجتمع، وتجلت في أنماط متعددة من الانتهاكات المرتبطة بمراحل سياسية مختلفة، ومع انطلاق المسار الانتقالي في اليمن عام 2011، تجددت المطالبة بالعدالة والمساءلة وجبر الضرر، وغيرها من آليات العدالة الانتقالية؛ غير أن تعقيدات المشهد السياسي وتراكم الأزمات حال دون بلورة إطار وطني جامع لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وقد ازدادت هذه التحديات تعقيدا منذ سنة 2014، فأضحى التفكير في العدالة الانتقالية لا ينصرف إلى آلياتها فحسب، بل إلى تحديد نطاقها الزمني، وشروط إمكاناتها، وحدودها، وسياق تشكلها. فلم تعد العدالة الانتقالية تفهم بوصفها مجموعة إجراءات تقنية، بل كمقاربة لإدارة الماضي ضمن مشروع إصلاح مؤسسي يعزز سيادة القانون ويضمن عدم التكرار.

ورغم تطور المفهوم عالميا نحو رؤية أكثر تكاملا تربط المساءلة بإعادة بناء الثقة والشرعية، فإن استلهام التجارب الدولية لا يعني استنساخها؛ إذ يقتضي تطبيقها في اليمن مقاربة تراعي تعقيد المسارات التاريخية والسياسية والاجتماعية، وتوازن بين المعايير الدولية ومتطلبات الواقع الوطني. ومن ثمّ، فإن إعادة تعريف العدالة الانتقالية في السياق اليمني تقتضي تجاوز المعالجة الإجرائية الضيقة للانتهاكات نحو تصور أوسع، يأخذ في الاعتبار العوامل البنيوية التي أسهمت في إنتاج العنف واستدامته.

وفي هذا الإطار، تنطلق الندوة من تصور يعتبر العدالة الانتقالية مسارا متعدد الأبعاد، لا يقتصر على مساءلة الانتهاكات فحسب، بل يمتد لمعالجة المظالم السياسية والاقتصادية والبيئية والمجتمعية المرتبطة بها. وفي هذا السياق، يهدف المركز إلى تأطير نقاش علمي وعميق حول العدالة الانتقالية في اليمن، باستكشاف إمكانات تطوير مقاربة أكثر ملاءمة وواقعية، من خلال حوار رسمي يجمع اليوم نخبة من الباحثين والقانونيين والفاعلين المدنيين.

عقب استعراضه للمنطلقات النظرية والسياسية التي تحكم موضوع العدالة الانتقالية في السياق اليمني، انتقل السيد مسير اللقاء إلى عرض برنامج الندوة العلمية، حيث أحال الكلمة إلى الأستاذة القاضية إشراق المقطري، وزيرة الشؤون القانونية باليمن، وقد جاءت هذه الإحالة تقديرا لخبرتها التي تتجاوز 24 سنة في مجال الحماية وسيادة القانون، وصفتها خبيرة دولية في آليات حقوق الإنسان، وقاضي تحقيق في اللجنة الوطنية التي غطت ولايتها كافة الانتهاكات في اليمن منذ عام 2011.

وفي هذا السياق، دعا السيد المسير الأستاذة الفاضلة لتقديم ورقتها المعنونة بـ الإطار المرجعي وترتيب أولويات المسار، لتشرع بدورها في تقديم الشكر للمركز المغربي للعدالة الانتقالية ومنظمي “ندوة الاثنين”، منوهةً بالأرضية الأكاديمية التي وضعها مدير المركز بتناوله الدقيق لمفهوم العدالة الانتقالية، وهو ما مهد الطريق لمداخلتها حول تحديد أولويات هذا المسار ومرجعياته الوطنية والدولية.

أفادت الأستاذة بأنها لا تود القول إن الندوة كانت واضحة فحسب، بل إنها شملت العديد من الخبراء في كل تخصص، حيث تناولوا موضوعات مرتبطة بعناصر العدالة الانتقالية. وبالنسبة لليمن، أشارت إلى أن الأصوات قد تعالت حقيقة خلال السنوات السبع الأخيرة للمطالبة بتحقيق العدالة الانتقالية؛ وربما نعتبر هذا من الإيجابيات، نظراً لتعدد الآليات التي أسهمت فيها الأدوار المدنية وتعافي المؤسسات الرسمية، تجاوباً مع التوصيات المقدمة من مجلس حقوق الإنسان بهذا الشأن.

وعند الحديث عن العدالة الانتقالية بشكل عام في أي مجتمع، خاصة في ظل كمية كبيرة من الانتهاكات والضحايا، أكدت أن هناك أساسيات؛ من ضمنها أنه لا يمكن تحقيق سلام مستدام دون إرساء العدالة الانتقالية. وذكرت أنه يجب الاعتراف بأن تحقيق هذه العدالة يواجه صعوبات وتعقيدات، خاصة ما يرتبط بجزئية المحاسبة، مما قد يحدث فجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة. لذا، اقترحت أن تكون المحاسبة تدريجية لكي لا يجهض مسار العدالة الانتقالية تحت مبرر غياب فرص التسوية السياسية.

أما المرتكز الثاني الذي طرحته فهو “شمولية الضحية”؛ إذ ينظر البعض إلى الضحايا كفئة محددة في إطار سياسي معين أو نمط خاص من الانتهاكات، بينما الأهم هو الاعتراف بحق جميع الضحايا في الإنصاف وجبر الضرر، دون اعتماد على الانتقاء السياسي، الجغرافي، أو المكانة الاجتماعية. والركيزة الثالثة هي التكامل بين العدالة الانتقالية والاستقرار؛ فالوضع الراهن في اليمن يفرض أن يكون هناك تلازم بينهما، فلا استقرار مستدام دون قاعدة عدلية، والعكس صحيح.

وبالنسبة للإطار القانوني في اليمن، استعرضت مداخلة الاستاذة مرجعيات عدة؛ أولها التناول المباشر في مشروع القانون الذي أعدته الحكومة عبر وزارة الشؤون القانونية (2012-2013)، ثم مرجعيات الحوار الوطني، بالإضافة إلى القوانين الوطنية ذات الصلة بالجرائم. وأشارت إلى المرجعيات الدولية المتمثلة في أكثر من ست اتفاقيات أساسية تتحدث عن الحق في الإنصاف وجبر الضرر، ومنها ما تناول مناهضة العنف ضد المرأة وحقها في الوصول إلى العدالة، واتفاقيات مكافحة الاستعباد، ومبادئ الأمم المتحدة لعام 2005 المتعلقة بحقوق الضحايا، وقرارات مجلس الأمن الخاصة باليمن.

كما لفتت إلى أنه يمكن لليمن الاستفادة من تجارب دول ذات سياقات مشابهة، مثل جنوب أفريقيا، المغرب، وكولومبيا، وهي النماذج التي تُطرح دائماً في ورش النقاش مع الضحايا. وفيما يخص النطاق الزمني، أشارت إلى أنه تم إعداد مسودة قانون في عام 2011، لكن الانتهاكات الآن اتخذت أشكالاً مختلفة وخطيرة منذ عام 2014 وحتى الآن، مما يمس شعور الضحايا السابقين واللاحقين.

وقد طرحت جملة من المقترحات ذات الأولوية في اليمن، منها: البدء ببرامج تعويض الضحايا، كإنشاء صندوق للتعويضات وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، والعمل على كشف الحقائق، والتوثيق، وتحديد المسؤوليات، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية لضمان حياديتها. كما أبرزت أهمية المشاركة المجتمعية لمنظمات المجتمع المدني والنساء والشباب في صياغة هذه المسارات.

واختتمت بالإشارة إلى الحاجة لدعم دولي غير مشروط بالتدخلات السياسية غير الواضحة. مؤكدة أن مسار العدالة الانتقالية في اليمن أصبح ضرورة تقتضي الاستفادة من كل ما قدم من مقترحات للانتقال من التنظير إلى التطبيق؛ فالضحايا والروابط الحقوقية لديهم وعي كامل بأن الوقت قد طال، فهناك أمهات ينتظرن معرفة مصير أبنائهن منذ سنوات طويلة، وهؤلاء هم العنوان الحقيقي لبدء مسارات العدالة الانتقالية بما يخدم الشأن الوطني.

وعليه أفادت كلمة السيد مسير اللقاء العلمي مرة أخرى بالشكر للأستاذة إشراق؛ وفق ما طرحته فعلا مجموعة من الإشكاليات والنقاط الأساسية، وكذلك مجموعة من التحديات. ليمرر الكلمة إلى الأستاذة مها عوض، رئيسة مؤسسة ‘وجود’ للأمن الإنساني، ومنسقة القمة النسوية، وعضوة اللجنة التوجيهية لشبكة التضامن النسوي. كما تشغل عضوية اللجنة الاستشارية لخطة العمل الوطنية لتنفيذ القرار 1325، وهي كادر في اللجنة الوطنية للمرأة، وخبيرة في مسائل النوع الاجتماعي وحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين. تأتي مداخلتها بعنوان: التأسيس للعدالة الانتقالية ومرحلية التطبيق.”

استهلت الأستاذة مها عوض مداخلتها بتقديم الشكر للمركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسات التقارير الدولية، معربةً عن تقديرها الخاص لتناول هذا الموضوع الهام الذي يمثل احتياجاً ملحاً في اليمن. وتناولت موضوع التأسيس للعدالة الانتقالية، مشيرةً إلى أهمية الإدراك لعملية العدالة الانتقالية وكيفية مواجهة تحدياتها؛ متمنيةً ألا يقتصر البحث على إطار الآليات أو التركيز على حالات معينة أو وضعيات خاصة، بل السعي نحو وضع سياق يمني واضح يهدف إلى إعادة بناء الثقة وإعادة العلاقة بين الدولة ومواطنيها بطريقة آمنة.

وأوضحت المتحدثة أن هذه الآلية توفر رؤية شاملة للتحليل والعمل المناسب لمعالجة تجاوزات العدالة الضارة، وتكون حافزاً للتغيير ووسيلة أساسية لإنقاذ الحياة وتعزيز الثقة في المؤسسات وبين الناس، بالإضافة إلى المساعدة في معالجة أوجه عدم المساواة بين الجنسين وتحديد مسببات النزاع والأسباب الجذرية المرتبطة بالإقصاء. وأكدت على وضع قيمة ‘الشمولية’ كجدوى لأعمالها في بناء مؤسسات ملائمة للانتقال الواقعي، انطلاقاً من واقع جاهد لمواجهة الظلم والانتهاكات في حقوق الإنسان.

كما أشارت إلى أن هذه العملية تتزامن مع بناء السلام والعدالة والمصالحة وتشكيل دوافع النزاع، بما في ذلك المساواة في الوصول إلى الخدمات والفرص الأساسية، مؤكدةً أن دوافع النزاع القوية تشمل الفساد وغياب الشفافية والمخالفات العامة. واعتبرت أن السلام عملية موجهة لبناء قطاع الأمن والقضاء، ونزع السلاح، وتعافي الاقتصاد الاجتماعي، والدعوة لتنمية مستدامة؛ وهي عملية مستمرة يمكن أن تبدأ في أي مرحلة من مراحل عملية السلام بدلاً من كونها مجرد مسعى لما بعد النزاع.

وشددت المتحدثة على ضرورة تكامل التطبيق للعدالة الانتقالية، وهو ما يتطلب التزاماً بالقيادة المحلية ومشاركة فاعلة من الضحايا، وتحقيق التوازن بين السلم الاجتماعي والتسوية السياسية والاستقرار، ليكون التغيير طويل الأجل بدلاً من التأثير قصير المدى. وأوضحت أن ذلك يتطلب تحليلاً للوضع الاقتصادي والسياسي مع مراعاة العوامل التاريخية والاجتماعية والثقافية والأمنية، فضلاً عن تحليل أدوار الجهات الفاعلة المؤثرة، وتحديد شروط النجاح المحتملة التي تشمل الإرث السياسي والقوة السياسية والوضع الأمني.

كما لفتت إلى أهمية تعزيز مؤسسات الدولة في مجال العدالة الانتقالية بالتوازي مع الإصلاح المؤسسي والقانوني، وتفعيل دور المعارف المختلفة وأصحاب المصلحة. ولكي تكون العدالة الانتقالية استراتيجية، أكدت على وجوب مواءمة سياساتها مع المشاريع طويلة الأجل في الشأن العام، مما يتطلب تخطيطاً استراتيجياً يأخذ في الحسبان ما هو ممكن سياسياً وعملياً. ورأت أن المسألة ترتبط بالتشريع، ووجود قانون لا ينظم العدالة الاستثنائية فحسب، بل يساهم في مرحلة التحول ويساعد أصحاب المصلحة في تحديد قواعد التخطيط والإدارة السياسية والقيادة المؤدية للإصلاح.

ودعت إلى إنشاء تحالفات ومنصات تضم مختلف المكونات والأجيال السياسية لضمان الحكم الشامل والشراكة مع المجتمع الدولي، وتوفير الدعم السياسي لتقوية المؤسسات السياسية والاقتصادية بما يمنع استبدال العنف ومعالجة قضايا الأشخاص الأكثر تضرراً. كما طالبت بإجراء مشاورات وطنية لضمان شراكة واسعة النطاق تشمل النساء والشباب، والعمل على خلق إصلاحات، ضاربةً المثل بإصلاح قطاع الأمن الذي يتم حالياً دون انسجام كافٍ مع العدالة الانتقالية، مؤكدةً على دور الجيش والشرطة في دعم سيادة القانون وعدم ارتكاب الانتهاكات.

وأشادت بجهود المجتمع المدني، متفقةً مع التجربة الأفريقية في أهمية ما تقوم به المنظمات، ومركزةً على موضوع ‘تأسيس العلاقة الانتقالية’ وقابلية الموثوقية بمخرجات المجتمع المدني لتكون جزءاً من جهود إعادة الدعوة لحقوق العدالة الانتقالية. واعتبرت أن ربط القانون بعملية السلام أمر ضروري لاستكمال الدورة التي تضمن حقوق الإنسان والسلام الشامل، وكسر حاجز الصمت كاستراتيجية لكشف الحقائق.

وفي الختام، حذرت المتحدثة من الاعتماد المفرط على موضوع ‘التعويضات’ كعنوان وحيد للعدالة الانتقالية، مؤكدةً وجوب أن تكون التعويضات قائمة على التغيير الاجتماعي والاقتصادي الهيكلي، وتوزيع موارد الدولة بشكل عادل، والإصلاح المؤسسي في مختلف المجالات.

عقب ذلك، شكر مدير الجلسة الأستاذة مها على مداخلتها المهمة والأساسية، ثم انتقل للإشارة إلى اعتذار الأستاذ باسم الحاج عن عدم الحضور نظراً لظروف عائلية، حيث كان من المقرر أن تكون مداخلته حول “الإطار السياسي واتفاقات السلام“. انتقل مدير الجلسة مباشرة إلى مداخلة أخرى قدمها الأستاذ الدكتور هيثم جواس، أستاذ الاقتصاد والمالية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة عدن، ووكيل وزارة الخدمة المدنية والتأمينات، ورئيس لجنة الحوكمة والبناء المؤسسي؛ حيث جاءت مداخلته بعنوان: “البعد الاقتصادي للعدالة الانتقالية مع إشارة إلى التجربة اليمنية.

استهل الأستاذ الدكتور هيثم جواس مداخلته بالترحيب والشكر للمركز المغربي للعدالة الانتقالية على تنظيم هذه الندوة، معرباً عن سعادته بالتواجد ضمن هذه النخبة. وتركزت مداخلته حول البعد الاقتصادي للعدالة الانتقالية مع الإشارة إلى التجربة اليمنية؛ حيث أوضح أن التطور التاريخي لمفهوم العدالة الانتقالية خلال العقود الماضية قد أهمل البعد الاقتصادي رغم أهميته البالغة، مشيراً إلى وجود نوع من اللبس في التمييز ما بين الجرائم الاقتصادية والحقوق الاقتصادية.

وبين المتحدث أن التحليل في الجرائم الاقتصادية يختلف عن تحليل انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ فالحقوق هي استحقاقات للأفراد أو الجماعات تنشأ عنها التزامات على الدول يستلزم عدم الامتثال لها مسؤولية دولية، أما الجرائم الاقتصادية فتنظر في المسؤولية الجنائية للأفراد أو الشركات. وأشار إلى أن الفساد والجرائم الاقتصادية يؤثران بشكل مباشر على توفر الموارد، خاصة عند الانتقال من نظام إلى آخر، مما يترتب عليه آثار وانتهاكات تمس الجوانب الإنسانية والاجتماعية.

وعلى الصعيد الوطني، استعرض الدكتور هيثم السياق اليمني، موضحا أن اليمن شهدت اندماج دولتين (الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) كانتا تتبنيان نظامين اقتصاديين مختلفين، وقد ترتب على عملية الوحدة آثار اقتصادية ومظاهر شائكة في كلا الشطرين. وأشار بشكل خاص إلى النظام الاشتراكي الذي كان سائداً في الجنوب وما اتخذه من إجراءات تمثلت في تأميم ممتلكات المواطنين، ورغم صدور قوانين بعد الوحدة لإعادة هذه الممتلكات، إلا أن نفاذها لم يتم بشكل كامل وما زالت قضايا كثيرة عالقة حتى اليوم.

كما تطرق المتحدث إلى برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في منتصف عام 1996، وما ترتب عليه من تحرير جزئي لأسعار الصرف والفائدة، وتحرير التجارة الدولية، وخصخصة المؤسسات؛ وهي إجراءات أدت إلى آثار اقتصادية مست شرائح واسعة، لا سيما في قطاع الزراعة بعد رفع الدعم عن المشتقات النفطية، مما أدى إلى زيادة معدلات الفقر وتسريح جزء كبير من الموظفين نتيجة الخصخصة. واعتبر المتحدث أن التدخلات الحكومية السابقة كانت ‘ترقيعية’ (مثل منح بدل غلاء معيشة أو مكافأة نهاية خدمة) ولم تكن معالجات جذرية، مما أدى لعودة هذه القضايا إلى السطح حالياً، خاصة في ظل ضعف العلاقة بين الأفراد ومؤسسات الدولة.

وانتقد المتحدث تدهور الخدمات العامة، مشيراً إلى أن التعليم العام أصبح سيئاً جداً، مع بروز ظواهر الاحتكار والارتفاع المبالغ فيه في التعليم الخاص، بالإضافة إلى الفساد الذي شاب عملية الخصخصة. وأكد أنه رغم اطلاعه على تجارب دولية، إلا أنه يرى ضرورة التركيز على ‘الإصلاح المؤسسي’ كأولوية قصوى، منبهاً إلى غياب إطار تشريعي خاص بالعدالة الانتقالية في اليمن، أو مؤسسة معنية بتمكين العدالة الاجتماعية.

وفي ختام مداخلته، شدد الدكتور هيثم على صعوبة الموقف في ظل الظروف الحالية والموارد المحدودة والأزمة التي يمر بها اليمن، خاصة مع عجز الموازنة العامة والانقسام المالي الذي أعقب حرب 2015. وأكد أن عملية الحوكمة والإصلاح المؤسسي للجهاز الإداري والأجهزة القضائية والأمنية هي المحور الرئيسي لبناء أو للشروع في تنفيذ برامج عدالة انتقالية حقيقية في اليمن، ثم ترك الفرصة لبقية الزملاء للمشاركة.

توجه مدير الجلسة بالشكر للدكتور هيثم جواس على مداخلته القيمة حول الجوانب الاقتصادية، مؤكداً أن الجانب الاقتصادي هو ركن أساسي في العدالة الانتقالية، خاصة وأن معظم التجارب الناجحة حقيقةً استمدت أهميتها من إيلاء الاهتمام لهذا البعد؛ حيث إن الخلل الاقتصادي غالباً ما يكون سبباً في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في مختلف التجارب.

بعد ذلك، انتقل مدير الجلسة مباشرة لتقديم الدكتور عادل دشيلة، وهو باحث وأكاديمي مهتم بالعدالة الانتقالية، وباحث في جامعة يوفاسكولا الفنلندية، ومحاضر أكاديمي نشر العديد من الأوراق البحثية. كما قاد مشروع زمالة ما بعد الدكتوراه في مركز الشرق الأوسط للأبحاث بجامعة كولومبيا، حيث تناول موضوع العدالة الانتقالية من منظور اجتماعي، ويعمل حالياً ضمن مشروع بحثي يركز على قضايا العدالة الانتقالية في يمن ما بعد الحرب.

كما دعيا الدكتور لتقديم مداخلته بعنوان دور القواعد العرفية والمجتمعية في الإسهام في تحقيق العدالة الانتقالية“، حيث أعرب عن شكره للمركز المغربي للعدالة الانتقالية على الاستضافة والتركيز على هذا الملف في اليمن. وبين أن القواعد العرفية هي الأكثر تأثيراً على المستوى المحلي في المناطق القبلية والأرياف وحتى في عواصم بعض المحافظات ذات الكثافة السكانية القبلية، رغم وجود دور لمنظمات المجتمع المدني في المدن الرئيسية. وأوضح أن الحديث عن تحقيق عدالة جنائية وفق القانون الدولي في السياق اليمني الراهن يبدو صعبا، بالنظر إلى الانقسامات العميقة وانتشار الجماعات ما دون الدولة وسيطرتها على الجغرافيا السياسية للبلاد.

وأكد أن اليمن لا يحتاج إلى تسوية سياسية تركز على مشاكل السياسيين وتتجاهل المظالم الاجتماعية والانتهاكات وحقوق الضحايا؛ معتبرا أن أي تسوية تتجاهل حقوق الضحايا ستقود حتماً إلى جولات عنف قادمة. ودعا إلى البدء بالمسار الأسهل في الحالة اليمنية، وهو جبر الضرر والمصالحة الوطنية كمدخل للعدالة الانتقالية بمفهومها الشامل. واستعرض نجاح القوانين العرفية القبلية خلال فترة الصراع في حل كثير من الأزمات الاجتماعية، مثل قضايا السجناء والمختطفين قسراً، وفتح الطرقات، وتبادل الأسرى والجثث، بالإضافة إلى حفظ الأمن والاستقرار في المناطق القبلية من الانزلاق في صراعات مناطقية ومذهبية.

ورأى أن القواعد العرفية والمصالحات المجتمعية أساس لأي تسوية أو عملية عدالة انتقالية قادمة في بلد مفكك، مستشهداً بتجربة رواندا التي لجأت إلى المحاكم المحلية بعد تعثر المحاكم الدولية، حيث نجحت تلك الآليات في معالجة مئات الآلاف من الحالات عبر التركيز على جبر الضرر المادي والمعنوي. وطرح فكرة “العدالة الانتقالية التدريجية” التي تنطلق من القواعد العرفية نحو الحالات الأكثر صعوبة، مشيراً إلى أن هذه القواعد تحتاج إلى آلية تنظيمية لدمجها ضمن المنظومة العامة.

ولفت إلى ضرورة مراعاة تنوع السياقات في اليمن؛ فما يصلح في المناطق الشمالية قد لا يصلح بالضرورة في عدن أو تعز أو إب، مما يستوجب دمج هذه القواعد العرفية بحذر للمساهمة في تحقيق سلام مستدام يعالج المظالم التاريخية. وأشار إلى أن الجانب العرفي أساسي ويجب مراعاته عند تنزيل القواعد الكبرى للعدالة الانتقالية في المجتمعات الخارجة من النزاع، لكونه يميل دائماً إلى “العدالة التصالحية” أكثر من “العدالة العقابية”.

واختتمت المداخلة بأن القواعد العرفية تكاد تنعدم علاقتها بمسارات العدالة الانتقالية، باستثناء بعض التجارب التي تناولتها بشكل محدود كتجربتي البيرو وتيمور الشرقية عقب انفصالها عن إندونيسيا. وبين أن هذا الجانب العرفي ركيزة أساسية يجب مراعاتها عند إنزال القواعد الكبرى للعدالة الانتقالية في المجتمعات الخارجة من النزاعات أو الحروب الأهلية. وأوضح أن الاستناد إلى البعد العرفي يساهم بفاعلية في تعزيز ما يعرف بـ “العدالة التصالحية“، التي تهدف إلى جبر الضرر ولم الشمل، متجاوزة بذلك حدود “العدالة العقابية” المحضة، مما يضمن مواءمة الحلول للطبيعة الاجتماعية لهذه المجتمعات.

من زاوية مختلفة في سياق العدالة الانتقالية منح مدير الجلسة الكلمة إلى الدكتور القاضي محمد حمود الهتار الذي أعرب عن شكره للمركز المغربي للعدالة الانتقالية على التنظيم، مؤكداً اعتزازه بالمشاركة في هذا النقاش حول إحدى القضايا المفصلية في مسار العدالة الانتقالية في اليمن، وهي “البعد البيئي للعدالة الانتقالية بوصفه مدخلاً للتفكير في السلام المستدام”. وأوضح أن العدالة الانتقالية التقليدية تتمحور غالباً حول معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من خلال المساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار، غير أن الإشكالية تتعلق بمدى كفاية هذا الإطار في سياق هش كاليمن؛ فاليمن لا يواجه صراعاً سياسياً وعسكرياً فحسب، بل يعيش أيضاً حالة من الهشاشة الاقتصادية والبيئية العميق، وهي عوامل تشير المعطيات إلى أنها تضاعف الهشاشة ضمن بنية النزاع المركب.

وبين أن العلاقة بين البيئة والنزاع علاقة تفاعلية؛ فندرة الموارد لا تنتج الصراع بذاتها، لكنها تفاقم التنافس داخل بيئة منقسمة ومؤسسات ضعيفة. وفي المقابل، أدى النزاع المسلح إلى مزيد من التدهور البيئي عبر تعطل المؤسسات وتدهور البنية التحتية وزيادة الضغوط على الموارد المحدودة، وهو ما تشير إليه أدبيات بناء السلام البيئي التي تدرس العلاقة المتبادلة بين إدارة الموارد الطبيعية وديناميات الصراع. نحن إذن أمام حلقة متداخلة؛ الهشاشة البيئية تغذي النزاع، والنزاع يعمق الهشاشة. وتساءل عن مدى قدرة عملية العدالة الانتقالية على تجاهل هذا البعد دون أن يؤثر ذلك في منع تكرار النزاع مستقبلاً، مؤكداً أن إدماج البعد البيئي يعني إعادة تفسير أحد مكونات العدالة الجوهرية، وهي الإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار، لتشمل أنماط إدارة الموارد الطبيعية التي أسهمت في إعادة إنتاج الهشاشة، لتعزيز قدرتها الوقائية.

وأشار إلى أن هذا الطرح ينسجم من منظور قانوني مع تطور معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تعترف بالحق في المياه والحق في مستوى معيشي لائق والحق في بيئة صحية ومستدامة، وتلزم الدول بضمان سبل إنصاف فعالة، وعليه فإن معالجة الأضرار البيئية المرتبطة بالنزاع وإصلاح إدارة الموارد يُفهم كامتداد لالتزامات قائمة. كما يجد هذا الطرح امتداده في التجربة الوطنية اليمنية؛ فقد احتلت قضايا المياه والموارد الطبيعية موقعاً متقدماً في نقاشات ما قبل الحرب، وأكدت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ومسودة الدستور مسؤولية الدولة عن حماية الموارد الطبيعية وصون حقوق الأجيال القادمة، غير أن هذه المسارات تعطلت مع اندلاع النزاع. وحدد مبررات إدماج البعد البيئي في أربعة أسس مترابطة:

أولا: استدامة السلام، لأن تجاهل هذا البعد يترك أحد عوامل الهشاشة دون معالجة، وضمانات عدم التكرار تمتد لمعالجة الشروط المؤسسية.

ثانيا: شمولية العدالة الانتقالية، إذ ينبغي الاعتراف بالأضرار المرتبطة بالبيئة كفقدان الأرض والنزوح البيئي بوصفها آثارا مرتبطة بالنزاع لا قضايا تنموية منفصلة.

ثالثا: قابلية العملية للنجاح سياسياً، ففي سياق الاستقطاب قد تمثل هذه القضايا مجالاً لتقاطع المصالح، مما يتيح مساحات للحوار المؤسسي.

رابعا: الامتثال للالتزامات القانونية الدولية.

ولمنع تحول المفهوم إلى إطار فضفاض، ميز بين مستويين من الأضرار البيئية؛ المستوى الأول: الأضرار البيئية المباشرة الناتجة عن النزاع المسلح (كتلوث الأراضي والألغام وتدمير البنية التحتية للمياه)، وهذا النوع يندرج ضمن المساءلة وجبر الضرر. المستوى الثاني: الهشاشة البيئية البنيوية السابقة للنزاع (كأنماط إدارة المياه غير المستدامة وضعف الحوكمة)، وهي ترتبط بمسار الإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار. وبناء على ذلك، اقترح إدراج البعد البيئي ضمن تصميم مسارات العدالة الانتقالية عبر أدوات عملية؛ ففي مسار البحث عن الحقيقة يمكن إنشاء وحدة متخصصة لتوثيق الأضرار البيئية، وفي مسار جبر الضرر يمكن تصميم برامج تعويض موجهة للمناطق المتضررة بيئياً، وفي المساءلة يتعين إدراج الانتهاكات البيئية ضمن منظومة المحاسبة. أما في إطار ضمانات عدم التكرار، فيصبح من الضروري تعزيز الإدارة العادلة للموارد وتكريس الحماية الدستورية للحق في بيئة صحية، والاعتراف بالكلفة البيئية للنزاع ضمن الذاكرة الوطنية لأن البيئة أيضاً كانت ضحية.

واستعرض تجارب مقارنة تشير إلى قابلية هذا المسار للتحقق؛ فاتفاق السلام الكولومبي عام 2016 تضمن إصلاحاً ريفياً شاملاً وإزالة الألغام واستعادة المناطق المتضررة، وفي السودان نصت اتفاقية جوبا للسلام على مبادئ إدارة الأراضي والموارد الطبيعية، وفي تونس اعترفت هيئة الحقيقة والكرامة بالأضرار التنموية والبيئية التي لحقت بمناطق مهمشة وأوصت بتدابير لجبر ضرر جماعي يعالج التهميش طويل الأمد. وأكد أن هذه النماذج تشير إلى أن إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والموارد يمكن أن تكون جزءاً من هندسة السلام ذاتها.

وشدد في ختام حديثه على أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على معالجة انتهاكات ماضية، بل تتعلق بإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس تضمن الاستقرار، وفي اليمن يصعب تصور ذلك دون إعادة النظر في أنماط إدارة الموارد الطبيعية وتوزيعها وحمايتها. فالتسويات السياسية قد تنجح في وقف العنف، لكنها لا تعالج العوامل البنائية التي تسهم في إعادة إنتاجه، مما يجعل إدماج البعد البيئي ضمن ضمانات عدم التكرار جزءاً أصيلاً من تصميم السلام نفسه.

وعقب انتهاء المداخلة، توجه مدير الجلسة بالشكر للدكتور القاضي محمد حمود الهتار على هذا الطرح، مثمناً في الوقت ذاته حسن تدبيره وتنسيقه لهذا اللقاء مع باقي الباحثين في اليمن، ومعبراً عن شكر المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسات التقارير الدولية له على هذا التنسيق المحكم.

انتقل مدير الجلسة إلى الأستاذ أحمد حجازي، المحامي بهيئة الرباط بالمملكة المغربية والباحث في شؤون العدالة الانتقالية، لتقديم مداخلته حول موضوع: إعادة هيكلة العدالة الجنائية في اليمن نحو بناء أسس المصالحة الوطنية الشاملة”.

بدأ الأستاذ حجازي بالإشادة بالإرث الحضاري لليمن (معين، وسبأ، وحمير)، مؤكداً إيمانه بقدرة الشعب اليمني على النهوض ومعالجة أزماته بعقول وأيدٍ يمنية خالصة، بعيداً عن التدخلات الخارجية. وشدد على أن المصالحة الحقيقية لا تعني مجرد “تقاسم السلطة”، بل هي التي تعالج المظالم التاريخية وترمم العلاقات الاجتماعية وتصون الكرامة. وعرف العدالة الانتقالية بأنها مجموعة تدابير قضائية وغير قضائية لمعالجة الانتهاكات الجسيمة، مؤكداً أن تقوية الجهاز القضائي التقليدي يقع في صلب أولوياتها.

وركز في أطروحته على “إعادة هيكلة العدالة الجنائية” كضمانة أساسية لعدم التكرار ولمنع عودة الاستبداد أو النزاع. وأوضح أن هذه الهيكلة تلبي توقعات الضحايا الذين عانوا من جرائم القتل خارج القانون، والاختفاء القسري، وتجنيد الأطفال، وإقصاء الأقليات، والعنف القائم على النوع الاجتماعي. وأكد أن ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها اليمن ستعزز ثقة المجتمعين المحلي والدولي في الجهاز القضائي.

وفي تشخيصه للحالة الراهنة، أشار إلى تعثر العدالة الجنائية في اليمن بسبب “التشظي الصارخ” في الولايات القضائية، والفساد، والتدخلات السياسية، وتردي إنفاذ القانون في مختلف المناطق؛ محذراً من أن استمرار هذا الوضع يقوي الميليشيات على حساب الدولة ويفشل مسارات العدالة الانتقالية. وانتقد حاجة التشريعات الجنائية للتحديث لتتلاءم مع المعايير الدولية؛ ضارباً المثل بمفهوم “القسامة” المنصوص عليه في المادتين (81 و82) من القانون الجنائي اليمني، والذي اعتبره مناقضاً لمبدأ “براءة المتهم حتى تثبت إدانته” وللمادة (14) من العهد الدولي، لكونه يلقي عبء الإثبات على المتهم بناءً على الشبهة (اللوث) بدلاً من الأدلة اليقينية.

كما انتقد المادة (103) من قانون الإجراءات الجزائية التي تمنح مأموري الضبط القضائي صلاحيات قد تفتح الباب للاحتجاز التعسفي، داعياً المشرع اليمني لتحديث القوانين بالتوازي مع مسار العدالة الانتقالية كبادرة حسن نية تجاه الضحايا، مع ضرورة النص صراحة على تجريم التعذيب لتجنب التأويلات التي تؤدي للانتهاكات.

وعلى المستوى السياسي، أقر بأن أي إصلاح قانوني يصطدم بضرورة التوافق بين المكونات السياسية، وهو ما يعد “حجر عثرة” حاليا. ومع ذلك، أشار بمتفائل إلى بوادر إيجابية مثل إجراءات مجلس القيادة الرئاسي منذ أبريل 2022، بتعيين مدعٍ عام جديد وتعديلات في المحكمة العليا ومجلس القضاء الأعلى، والتي شهدت لأول مرة تعيين امرأة في هيئات عليا. واقترح البدء بنماذج قضائية ناجحة في مناطق معينة لتفعيل ضمانات عدم التكرار، وحصر حالات الاعتقال الاحتياطي بفترات زمنية محددة وبأمر قضائي مباشر من النيابة العامة.

واختتم مداخلته باستحضار التجربة المغربية (قانون المسطرة الجنائية لعام 2002)، مبيناً أثرها الإيجابي في طمأنة الضحايا بالتزامن مع عمل هيئة الإنصاف والمصالحة. وأكد أن “القانون يسترشد بالرجال والنساء الممارسين وليس فقط بالنصوص”؛ داعياً إلى تكوين القضاة وأعضاء النيابة العامة على روح حقوق الإنسان، وتقوية سلطات الدفاع والمحامين، وخلق عرف قضائي ينسجم مع الحقوق والحريات لضمان حماية حقيقية للمواطن.

وعليه: أجمع المشاركون في الندوة على أن العدالة الانتقالية في اليمن تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز التسويات السياسية الهشة نحو معالجة الجذور البنائية للنزاع. حيث أكدت المداخلات ضرورة إدماج البعد الاقتصادي كركيزة لإنصاف المتضررين من سياسات الخصخصة والتأميم السابقة، بالتوازي مع استثمار القواعد العرفية والمصالحات المجتمعية كأدوات للعدالة التصالحية، خاصة في المناطق ذات الطابع القبلي، لضمان جبر الضرر المادي والمعنوي. كما برز “البناء البيئي للسلام” كمدخل حيوي مستحدث يربط بين استدامة الاستقرار والإدارة العادلة للموارد الطبيعية (كالمياه والأراضي) باعتبار البيئة ضحية صامتة للنزاع. وفي المسار الإجرائي، شدد التقرير على حتمية إعادة هيكلة المنظومة الجنائية وتحديث التشريعات الوطنية لتتوائم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع تعزيز استقلال القضاء وتقوية دور النيابة العامة لضمان عدم الإفلات من العقاب. وخلصت الندوة إلى أن نجاح هذا المسار التدريجي رهين بتوفير إرادة سياسية وطنية تعلي حقوق الضحايا وتؤسس لإصلاح مؤسسي عميق يرمم الثقة بين الدولة والمجتمع، وصولاً إلى سلام مستدام وشامل.

للاطلاع على تسجيل الندوة التفاعلية 

من إنجاز: سعيد الباهي

باحث بسلك الدكتوراه / مختبر القانون العام والعلوم السياسية

جامعة محمد الخامس / كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال –الرباط